حاتم عبد الواحد
في عالم يتجه به عدد السكان نحو عتبة العشرة الاف مليون من البشر ، ما زال نحو 350 مليون من المسلمين البالغ عددهم الان خمس سكان المعمورة ، يعيش تحت خط الفقر وعلى عتبة المجاعة ، ولا تخطيء العين جيوش المحرومين والجياع الذين تتكدس بهم حواضر بلدان اسلامية يعد اهلها من اغنياء الدنيا ويتصدر حكامها وامراؤها قائمة الاكثر غنىً فاحشا ، فملايين البشر من نواكشوط الى اسلام آباد يعيشون بلا ماء صالح للشرب ، وبلا رعاية صحية ولا برامج تعليم ، ولا ضمان اجتماعي يشكل درعا واقيا لدورة حياتهم التي استنزفتها الشعارات البراقة للاسلمة .
بل ان هذه الحالة قد رافقت حتى التجمعات الاسلامية الناشئة في بقع جغرافية بعيدة عن المركز الاسلامي الطارد لكل ما يضعه على طاولة الاختبار ، من اراء وايدلوجيات وعقائد ، ولا نستغرب حين نسمع بان المسلمين الاوربيين من احفاد الانكشاريين العثمانيين يعيشون بطريقة ادنى من مواطنيهم الاخرين ، وسوف يقول قائل انه الاضطهاد الكنيسي لكل ما هو مسلم ، ولكن هذه الاجابة لا تقول من الحقيقة الا عشر معشارها ، لان الاضطهاد الاسلامي اشد واقسى على معتنقي الفكر الصحراوي الشحيح من ابناء قارات الوفرة ، فمشكلة الفقر ليست عارضا من عوارض نشوء المجتمعات الرأسمالية الحديثة ، انما هي ثمرة نشاطات متنوعة رافقت نشوء المدينة والاستيطان البشري الاول ، فالانسان الذي بدأ صيادا يحتال على فرائسه ويستدرجها ليقتات على لحومها لم يعانِ من قضية الفقر ، بل ان القبائل البدائية حتى اليوم لا تواجه مشكلة اسمها المجاعة رغم انقطاعها عن تكنلوجيا التبريد والتخزين ، فمن يحظى بصيد وفير من صيادي المجتمعات البدائية يوزع ما يفيض عن حاجة المجموعة التي ينتمي اليها على اعضاء المجاميع الاخرى التي لم تظفر بشي تقتات عليه ، ولو سألت اي بدائي اين تخزن اللحم الزائد او الحبوب الزائدة عن حاجتك ؟؟ فانه سوف يشير الى معدة صديقه ، وفي ظرف يشبه هذه الظروف البدائية نشأ عصر التدجين ،وظهرت اولى التجمعات البشرية قرب الانهار ، فالحياة التي تعتمد على الامطار لا تستطيع الصمود طويلا بسبب تقلبات المناخ ودورات الاحترار والتبريد ، فكانت اوروك اولى المدن التي ظهرت بعد موجة الجفاف التي ضربت جنوب غرب اسيا عام 3500 ق . م ،فظهرت نتيجة القحط موجات بشرية ممن لا ارض لهم ، كانوا عاطلين ، فروا من قراهم عندما شحت الامطار ، وشكل هؤلاء مستودعا بشريا للعمال يمكن حشده لتمويل المنظومة الزراعية المؤسسة للقرية ، فبنى هؤلاء المعابد واسوار المدن ، وغير ذلك من الاعمال العمومية مقابل حصص من الطعام ، وكانت كل تلك الاعمال تنجز باسم الالهة الذين يتحكمون في مصير البشرية وقوى الكون الشريرة .
وعندما برزت الحضارة السومرية بحدود 3100 ق . م ، كان حكام مدنها لا يستطيعون الاسترخاء في ارض تاتي فيها الامطار والفيضانات في التوقيت الخاطيء ،بحيث ممكن ان تتحول حواضرهم في لحظة الى صحراء او تفقد مواردها المائية في مدى ايام معدودة ، فتشاحنت المدن السومرية احدها مع الاخرى حول الارض وحقوق المياه والتجارة والقوة الجائرة ، وتفاخر الالواح الفخارية والنقوش المسمارية بانتصارات دبلوماسية وحروب وصفقات شنيعة ، و التي تبدو اليوم مكتوبة بلغة مألوفة و بشكل مـذهل ،فعاش كل حاكم سومري في خضم مضطرب من التحالفات المتغيرة ،وخلافات الحدود والدبلوماسية والحرب ،وتأرجح مركز القوة السياسية من مدينة الى اخرى تغـذيه أنوات متضخمة لزعماء لديهم احيانا جنون عظمة ، وكانوا يعرفون انفسهم بانهم " السماويون " والممثلون الارضيون لآله المدينة ، والمشرفون على الدوائر الملكية .
لا شك ان البشر عندما تلسعهم جائحة الجوع ، فانهم سيرتدون اولا الى اعماق حدودهم الجغرافية ،للحصول على ما يقتاتون عليه ان كانوا مزارعين ،اما إذا فشل هذا الخيار في اجزاء واسعة داخل تلك الحدود فان الغارات على حقول الجيران والاستيطان فيها سيكون البديل الجاهز لمقاتلين لا يتوانون عن مواجهة بعضهم البعض من اجل اشياء تعزز وجودهم .
لقد مرت السنوات ثقيلة في جنوب العراق وصحراء العرب قبل ولادة محمد عام 571 ميلادية ،ويروي لنا التاريخ ان انفجارا بركانيا هائلا حدث في العام 535 ميلادية ، وهو الاكثر كثافة واستمرارا من كل ما سجل تاريخ اوربا وجنوب غرب اسيا ، حيث تقع مكة ، ما ان جعل الناس تستهلك غلال السنة السابقة ، وتلا ذلك انتشار المجاعة والطاعون ، ولقد كتب المؤرخ بروكوبيوس من قرطاجة " ارسلت الشمس ضوءا غير ساطع "هذه السنة كلها ، وكأنه ضوء القمر ، وبدت تشابه حالة الشمس في كسوفها ، ذلك ان اشعة الشمس التي ترسلها لم تكن واضحة ، وليست بالاشعة التي تعودت ان ترسلها ،لقد تساقط الثلج في بلاد ما بين النهرين ، وخابت المحاصيل في جنوب العراق " ."
ولا اظن ان الذاكرة البعيدة او القريبة تستطيع التغافل عن سنوات الجوع التي اهلكت سكان الجزيرة العربية قبل 35 سنة فقط على ولادة الصادق الامين ، الذي بشر اتباعه بانهار من الخمر والعسل واللبن ، وموائد فيها ما تشتهي الانفس ، وحياة ابدية في جنان خضر ،فما الذي نتوقعه من بدوي لا يرى له وطنا اكبر من موطيء قدمية امام مغريات ووعود مثل هذه ؟
لقد كانت السيطرة الدينية على مكة باعتبارها مركز تجمع الالهة ، هي التي تحدد نمط العلاقات السياسية والتجارية بين فرقاء الصحراء ، فالاحلاف والمعاهدات والحروب ، تعقد وتبطل حسب علاقة مكة بالقبائل التي تحمل اليها قرابينها السنوية وعطاياها ترضية للارباب ،وابكار مواشيها وغلالها ، وكانت الفكرة ان تتوحد الارباب برب واحد كي لا تتبعثر تلك العطايا في مجتمع ينوء بالندرة والقحط وبحاجة الى رب قادر على جلب الامطار ودفع الشرور ،كي لا تتكرر مأساة القحط والطاعون ، ولكن هذا الرب مازال منـذ قيامه وسط الصحراء من 1400 سنة يبخل على ضعفاء المتضرعين له ، ويمنح اقوياءهم ولصوصهم وقتلتهم جنات الدنيا قبل جنات الاخرة الموعودة ،ولو نظرنا بتمعن الى مبدأ الزكاة الاسلامي ، فاننا سنعرف مساحة العوز والفاقة التي كانت تحتل نفوس اتباع الدين الجديد ، ولقد اراد الاسلام بفرضه الزكاة الصعود بمجتمع القبائل البدوية الى مرحلة القبائل البدائية التي تتكافل في سرائها وضرائها دون حاجة الى تخويف من جحيم او اغراء بجنة .
ان وظيفة رجل الدين المعاصر ترتد عميقا الى دور الشامان والسحرة الذين كانوا يطردون الشر ويستجلبون الخير بحفنة من طعام او هدية للمعبد ، والخير والشر مفهومان نسبيان ، فسفر التكوين مثلا يخبرنا بان اول حالة قتل قد وقعت بعد ان دب الحسد والغيرة بين اخوين لا ينافسهما احد ، ورغم تحريم النظام الديني الذي
اعقب ادم لكل قتل للانسان ، الا الذين لا يحترمون ارادة الرب الراعي ، فان التناقض يقف هائلا وصارخا عندما نعلم ان المقتول من الاخوين هو الذي كان اكثر احتراما للرب والاكثر خضوعا له فلماذا كان هو الضحية وليس اخوه المتجبر العاتي ؟
تشير وقائع التاريخ بأن الغزاة دائما كانوا من الناس الاكثر جوعا والاعمق تشتتا ، وتعمل الجغرافيا عمل الرئات ، فكلما تقلصت مواردها دفعت بالبشر الى خارجها حاملين سيوفهم ورماحهم ، وكلما اتسعت الموارد شفطتهم الى داخلها مرة اخرى ،وفي كلا الحالتين يكون تقديس الرب هو الحافز الذي يحرك الجموع الغاضبة او المحتفلة ، فقد نزل السلتيون من اراضيهم القفر في شمال الالب ليكونوا الغيلان التي افزعت الامبراطورية الرومانية ،وخرج الهكسوس من صحراء مصر مدمرين كل ما حولهم ، والميسيون والحوثيون من قبلهم ادركوا ان الجوع يهدم النظام الاجتماعي ، فتقاتلت الممالك والشعوب من اجل ارضاء الرب برغيف منهوب من فم الضحايا ، كما ان بحوث علم الاجتماع الديني توكد بان البشر يكونون اكثر استعدادا للانخراط بالدعوات الدينية في اوقات الشدة وتفاقم الازمات ، ورغم تاكيد كل المدونات الاسلامية التي عاصرت الدعوة المحمدية او المتاخرة منها على ان الاسلام جاء داعيا الى التسامح والعدل والاحسان ، الا ان كتب التفاسير والسيرة تدلل بما لا يقبل الدحض او الانكار على ان الاسلام اتبع منـذ نشأته الاولى سياسة الغدر والتصفية الجسدية والاستحواذ على اموال وممتلكات مناوئيه ممن عارضوه بمنهج الحجة العقلية والجدل الفكري الذي كان يتخـذ من الشعر قناة للتعبير والتواصل ،ولعل واقعة قتل كعب بن اشرف ، وابي رافع سلام بامر محمد تدلل بكثير من التاكيد على معاداة من يقف حجر عثرة في طريق اهداف الاسلام الشمولية ، لقد كان هؤلاء الشخصين من يهود الجزيرة الذين ينازعون محمد بنقاش مسالم ، وبلا اسلحة ، ولكن رغم تمسك الايدلوجيين الاسلاميين بالآية " لكم دينكم ولي دين " على سبيل المهادنة المؤقتة والاحتيال لكسب الوقت ابان سنوات ضعف الاسلام في سنواته المكية ،فاننا نجد ان الخطاب قد تغير بعد تاسيس " دولة الوحي " في يثرب واصبح " ان الدين عند الله الاسلام " .
ورغم مرور 1400 سنة على تاسيس اول خلية حزبية اسلامية ، الا ان حزب المسلمين لم يستطع ان يحافظ حتى على شكل الدولة وقوانينها القبلية التي اسست لها وتأسست عليها ، فالدين الذي تأسس على ضرب مصالح مناوئيه وخداعهم من اجل اضعاف سلطاتهم كي يظهر كبديل عادل ، ما زال يجتر نفس افكاره دون مراعاة لدورة الزمن القاسية ،التي تغيرت بها المفاهيم والاساليب والقناعات التي يؤمن بها البشر في حياتهم على هدا الكوكب ، ويخطيء من يظن بان الاسلام كان حاجة روحية لمليء فراغ عقائدي كان سائدا في جزيرة العرب ،فالكعبة كانت عامرة بالهة القبائل التي تحج اليها ،وكان في احدى زواياها ايقونة مريم مع وليدها ممثلة قبائل غطفان وتميم ونجران المسيحية والتي كانت من اعمال اليمن واليوم هي من اعمال ابن سعود ،وكان بنو النضير والقينقاع وقريظة يهودا عربا لهم معابدهم وصوامعهم التي يتعبدون بها ، ولقد كادت هجرة محمد الى يثرب بعد ان تخلى عن اصحابه ان تفشل لو بسبب عداء هؤلاء اليهود لدعوته ، ولولا الاوس والخزرج لقرأنا عن نسل جعفر بن ابي طالب ضمن تاريخ الحبشة وليس ضمن تاريخنا المزور المليء بالدم والقيح والانين .
خرج الاسلام من معطف الفاقة والفقر والشح ليصبح بعد 50 سنة من تأسيسه اكبر امبراطورية رأسمالية في العالم القديم ، ثار على اغنياء مكة كي يصبح اغنى منهم ، وقاتل القياصرة واباطرة الفرس كي يخلق قياصرته واباطرته الذين لم نجد منهم فكاكا حتى اليوم ، هدم الهة الكعبة ليسود الهه الذيلا يشبع من الغنائم ، ماتت ممالك وحواضر وشعوب ابدعت في بناء السدود والزراعة والعمارة وشق الطرق في سبأ وحمير وحضرموت ، واصبح محمد الذي كان يطرق خيام رؤساء القبائل الوافدين الى عكاظ داعيا الى دينه حاكما فعليا ليثرب ، واصبح اتباعه من الارقاء والموالي شركاء حقيقيين لمخدوميهم ، واحسب ان مناصرة الاوس والخزرج لمحمد لم تكن مبنية على الايمان بالدين الجديد ، بقدر ما هي تعبير عن ايمان تجاري بمنافسة مكة ، فيثرب تلك المدينة الصحراوية ذات التربة البركانية كانت تريد منافسة مكة على مركزها الديني لما يدره من وجاهة ومال وسطوة ، وبالتالي فان وجهاء يثرب كانوا يفكرون ساعة مناصرتهم لمحمد ان يشاركوا في الاسواق التجارية التي احتكرتها مكة واباطرتها طويلا ،ولعل حروب الردة خير دليل على هشاشة الايمان بالاسلام وصلادة الايمان بالمكاسب التجارية التي ارادت القبائل كسبها من مناصرتها للدين الجديد ، كما ان الاسلام حطم نظام قريش التجاري بتحريمه للربا وتجارة الرق وصفقات الاضطرار ، وحطم معها دورة التعليم التي كانت مزدهرة في القبائل القحطانية " العرب العاربة " ، وجعل اليد العليا للعرب المستعربة من البدو والموالي ،فاندثرت اللغة الحميرية التي تدون بخط قديم يطلق عليه علماء الاثار " خط المسند " ، ويشيع في كتب التاريخ بان اسرى قريش ممن وقعوا في قبضة المسلمين ابان واقعة بدر قد افتدوا انفسهم بتعليم كل واحد منهم لعشرة من المسلمين الاميين ، ولنا ان نتصور مدى تفشي الامية في صفوف اتباع محمد ممن اصبجوا بعد تلك الواقعة امراء الامة والناس ، وحادثة الافتداء بالتعليم تؤكد ان هؤلاء المؤمنين الاميين قد استقبلوا الدعوة شفاها ، ولم يكونوا يفهمون ما يقال لهم ،لانهم غير قادرين على القراءة و الكتابة ، ولهـذا كانت نصوص القرآن تحفظ في الصدور ولم تدون حتى خلافة عثمان بن عفان ، فالتلقين هو اول ادوات الدعوة لدين يراد له ان يكون صالحا لكل زمان ومكان ، و هذه الطريقة غير صالحة للوثوق بها نظرا لما يعتريها من مشاكل في الرواية والميول القبلية والنوازع الشخصية ، خصوصا وان المتعاملين بها هم من البدو الجياع وليس من الملائكة المحصنين .
لقد اخترع الاغريق الالعاب الاولمبية ليس حباً بالرياضة البدنية ومنافساتها ، وانما اعتمدوا على مبدأ فلسفي يقول ان الروح طاقة ، ولتقليل نزوع البشر نحو الشر والاستحواذ الغرائزي على حيوات وممتلكات الاخرين ، كان جبل الاولمب اول مكان في العالم يتم فيه تصريف الطاقات الزائدة عن الحاجة ، الجسدية والروحية بشكل سلمي منتج ، نظرا لما تتطلبه المنافسات الرياضية من وقت وجهد للتدريب ورفع المهارات والتركيز الذهني لتطوير الاداء ، اما السواعد المتصالبة على سيوفها والروح المشبعة برغبة الامتلاك والذكريات المرة عن ايام الجوع والقحط والعبودية التي كانت تتحكم ببواطن بدو جزيرة العرب فلقد لبت الدعوة الصادرة من جبل ثور ، لانها وجدت في دعوة الاسلام تنفسيا عن ما يجيش في الصدور والعقول ، وكانت الغزوات النبوية ميدانا واسعا وثمينا لتصريف تلك الطاقات الناقمة على وجودها قبل نقمتها على الاخرين ، فاعيد تسمية الشنائع باسماء اكثر لياقة ، فالسرقة اصبحت غنيمة ، والغزو اصبح فتحا ، والقتل اصبح جهادا ، وكان شعار " النصر او الشهادة " يمثل واجهة كبرى لمشاريع تجارية لا تبور ، فالنصر يعني الاستحواذ على اموال القتيل ونسائه وارضه ، والشهادة تعني الجنة ، تلك البقعة التي وسعها السماوات والارض ، المترعة بانهار الخمر واللبن والعسل المصفى ،والمحفوفة بالنخل والاعناب والرمان ، ناهيك عن النساء الابكار والحور العين والغلمان الذين كأنهم لؤلؤ منثور ، ويستفزني عقلي الخبيث بسؤاله عن وجود الغلمان في الجنان ، فهل كان نكح الغلمان عرفا اجتماعيا تسكت عن ذكره كتب السيرة ويؤكده القرآن ؟؟
كان الاسلام لمعتنقيه " تجارة لا تبور " وهذا الوصف هو الاكثر جاذبية وسحرا واقناعا للذين يرون بملء اعينهم كيف صنعت تجارة قريش من ابي سفيان وامية وابي الحكم اسيادا لا ينازعهم في ملكهم انس ولا جان ،ورغم اسواق الشعر وعلو كعب الشعراء في مجتمعهم البدوي ، الا اننا لا نلاحظ القرآن يصف الجنة بانها مدينة الشعراء ، بل ذم الشعر والشعراء ، لان من وظائف الشعر في الجاهلية هو نشر فضائل القبيلة والتفاخر بحسبها ونسبها ، وبما ان غالبية المسلمين الاوائل هم من الموالي والعبيد الذين ليس لهم من الارومة ما يفتخرون به ، فاننا نجد ان الشعراء مغضوب عليهم في القرآن بسورة سميت باسمهم ، تلافيا لنشر بذور الشقاق بين المؤمنين الاوائل ان هم اجبروا على تعداد مناقبهم القبلية التي لا يملكون منها شروى نقير ، ومقارنة سريعة لعدد الشعراء في جزيرة العرب قبل دعوة الاسلام و عددهم بعد الدعوة ستظهر التقلص الكبير الذي طرأ على الطراز الادبي الذي سجل به بدو الجزيرة وقائعهم من انتصارات وهزائم وانكسارات وحروب ووفيات وولادات ومنابزات وايروتيكيا ، وسنلحظ ان حجم هذا التقلص والانكماش ليس على مستوى الكم فقط ، وانما نال من النوع والمهارة والالهام ، وسبب هذا الانحدار والاندحار الابداعي هو الانقلاب التام الذي اصاب البناء السوسيوثقافي الذي كان سائدا قبل الدعوة الاسلامية ، وسنلحظ ايضا بروز فن الخطابة كبديل محمود عن الشعر ، لان الوعظ الخطابي اكثر تاثيرا في مجتمع يشكل الاميون نسيجه الاعظم ، فمجتمع مثل هذا لا يستجيب لخيالات الشعر بقدر استجابته لمواعظ الترهيب والترغيب .
ورجوعا الى مشكلة الفقر التي يعاني منها المسلمون والتي نشرناها في الجزء الاول من هذا البحث يوم امس ، فاننا لابد ان نتذكر السياسات الاقتصادية التي تحكم العالم الان بمبدأ تعظيم الثروة ، وعلى سبيل التوضيح والتقريب فان الامريكيين ينفقون سنويا اكثر من ثمانية بلايين دولار من اجل مواد التجميل فقط ، بينما لا تجد الامم المتحدة تسعة بلايين دولار من اجل حل مشكلة المياه الصالحة للشرب والمرافق الصحية في العالم المسحوق من هذا الكون الراسمالي ، وقد سجل عن حزب العمال البريطاني قوله " ان تكوين الثروة الان اهم من توزيعها " ،ويبدو لي ان المسلمين طبقوا العبارة الاخيرة قبل اكثر من 1300 سنة ، عندما ظهرت الزعامات الالهية المتشبثة بحقها في الانتماء الى النطف النبوية ، ففي نهاية القرن الهجري الاول احكم المسلمون قبضتهم على الاراضي والشعوب والثروات الممتدة من سور الصين الى جنوب فرنسا ، واستحوذوا على ثروة لا يستطيع عصر الديجتال اليوم احصاءها ، فاين ذهبت تلك الثروة ولماذا المسلمون فقراء اذا علمنا ان القفار لم تزل هي القفار وان الخراب اصبح اعم واشمل مما كان عليه ؟؟؟
اظن ان سياسة الغزو الاستيطاني التي طبقها المسلمون هي السبب المباشر لمشكلة الفقر الملازم للمجتمعات الاسلامية ، فلو كان الغزو من اجل التبشير بالاسلام فقط ، لكانت الممالك والتخوم التي اخضعت بالسيف لهذه الدعوة قد وجدت الحافز المادي والمعنوي لاقامة مؤسسات الدولة المعنية بالعقد الاجتماعي بين الشعب وسلطته بعد انسحاب المبشر ، ولكن استيطان جنود المسلمين في تلك الاصقاع قد جعل من مواردها امتدادا لموارد عاصمة الخلافة ، وبالتالي فان اي انفاق يؤدي الى تقليل او خفض مستوى الاتاوات الذاهبة الى خزائن امير المؤمنين سيكون خيانه للاسلام واضعافا لقوته ،ومن يدقق في احوال التخوم التي انسحبت او اخرجت منها الجيوش الاسلامية لاي سبب كان ، يجد تركة ثقيلة من الخراب الاجتماعي والاقتصادي والعمراني ، وهذه هي المخلفات التي يتركها جنود الاحتلال وراءهم على مر الازمان ، مع الاقتناع بان الموارد المالية والاقتصادية التي كان يقبض عليها قائد واحد من قواد جيش المسلمين في اقليم من الاقاليم قد تضاهي اليوم ما بحوزة شركة من الشركات العابرة للقارات ، وربما ضاهى عدد الجباة الذين يستجلبون له خراج وجزيات المناطق الخاضعة لنفوذه عدد موظفي اي شركة كبرى من شركات العولمة ، وليس من هم لدى هؤلاء الجباة سوى تكديس الثروة دون الالتفات الى ديمومة مصادرها ، لانهم يعملون علم اليقين بانهم مجرد غزاة لابد ان يرحلوا .
ان البقعة الحغرافية التي نشأ بها الاسلام هي من اكثر البقع جفافا واشدها تدنيا في الانتاج الزراعي والغطاء العشبي ، وليقيني ان كل الديانات تترافق فيها التعاليم بطقوس تعبر عن المكنون اللاهوتي او الفلسفي الذي تدعو له ، فأنني اجد الصلاة الاسلامية التي تعد الركن الثاني من اركان الانتماء لهذا الدين قد جاءت معادية لعنصرين من عناصر التقدم الحضاري وهما الزمن والموارد ، فعلى مستوى الزمن نجد ان الصلاة تؤخر المسلمين في كل يوم0 5100000000 دقيقة اذا اعتبرنا ان 300 مليون مسلم من اصل مليار وربع المليار مسلم الموجودين على الخريطة السكانية للعالم هم من يصلون بشكل يومي ، واذا اعتبرنا ان الركعة الواحدة تستغرق دقيقة فقط فان 17 ركعة يوميا تاخذ 17 دقيقة من المسلمين الثلاثمائة مليون الذين هم ربع عدد المسلمين ، هذا فقط في الفروض وناهيك عن النوافل ، ولانني لا اجيد العد ولكنني اجيد الحساب فارجو من الاخوة الاخصائيين اخبارنا بعدد السنين التي نخسرها كل يوم بناء على افتراضنا الذي هو من باب اضعف الايمان ، اما على سبيل خسارتنا بالموارد في بيئتنا الصحراوية القاحلة ، فلو افترضنا ان كل صلاة تستوجب لترا واحدا من الماء ، فان الصلوات الخمس تستوجب خمسة التار من كل مصلٍ ، وهذا يعني فقدان 1500000000 يوميا ، واذا احصينا عدد من صلوا من زمن الدعوة الاسلامية الى الان فاننا سنكشف هول الكارثة على مستوى الزمن والموارد وفرص التقدم ، ويعن لي سؤال بهذا الموضع ، لو ان المسلمين سقوا بماء الوضوء الذي استهلكوه في صلواتهم منذ محمد الى الان اشجارا تسمى باسمائهم في ارضنا الخراب ، فكم جنة غناء كنا قد زرعنا بدلا من الجنة الموعودة ؟؟
واذا عرجنا على مواقيت الصلوات فأننا سنكتشف نظرية المؤامرة التي عمل بها الرسول بحنكة ، فلكي يضرب اسواق مكة ويحارب تجارها وتجارتها التي هي عمود قوتها الفقري ، فانه جعل اثنتين من الصلوات في وقت ذروة البيع والشراء وهما صلاتا الظهر والعصر باربع ركعات لكل منها ، اضافة الى شرط الجماعة ، كي تفرغ الاسواق من كل بائع ومشترٍ ، علما ان القرآن لم ينص على مواعيد الصلاة ولا عدد الركعات .
كتبها حاتم عبد الواحد في 06:26 مساءً ::
الاسم: حاتم عبد الواحد
