freehuman

مدونة تهتم بحرية الكلمة وقداستها بعيدا عن صفقات وصفاقات السماسرة وثقافة البنزين التي حولت جسدي يوم 9/ 7 / 2003 الى كتاب خالد لا تجيد قراءته عيون مثقفي المسدسات والمثاقب الكهربائية.

الأحد,تشرين الثاني 11, 2007


 
ثلاث بندقيات في قطار داكار
 
 
حاتم عبد الواحد
 
في عام 1990 وقف فاتسلاف هافل رئيس جيكوسلوفاكيا أمام الكونغرس الأمريكي ، وكان قبل ستة أشهر من ذلك سجينا سياسيا فقال " بصفتي كاتبا مسرحيا فقد اعتدت على الأشياء الخيالية ، فيراودني الحلم بالعديد من الأشياء غير المعقولة ، فأضعها في مسرحياتي ، لهذا استطيع التكيف مع تجربة خروجي من السجن لكي أقف أمامكم اليوم ، ولكنني أرثي لكل السياسيين المساكين الذين يحاولون التعامل مع كل ما هو محتمل ".
وإذا كانت الثقافة هي ما يبقى بعد زوال كل شيء ، فان السياسة هي ما يزول بعد ثبات كل شيء ،على الأقل في المجتمعات التي لم يعد لها خيار ثالث بين ثياب الثيوقراطيين أو المثول عارية أمام التاريخ ، وعندما تتأرجح ميولنا بين بياض زائف كبياض الأكفان ، وسواد حقيقي كبؤبؤ لحدقة عمياء ، يكون الخيار للسياسي ، لأنه هو الذي يحمل البندقية ، وتاريخ الضحايا يكتبه الجلادون.
أما الذين رأوا المشهد من وراء دمعة كبيرة فإنهم سيوصمون بالغباء ، لان تعرجات المتاهة لا تحتمل التأمل .
لقد رأيت في ما رأيت وجوديين قبل الوجودية يبيعهم سماسرة الكتب بثمن رغيف بائت ، وسورياليين يطلبون من حبيباتهم أن يغمسن أصابعهن في شايهم المر ، وملوكا تيجانهم أعشاش من القمل وصولجاناتهم عكازات توزعها مستشفيات مبتوري الحروب ، وعاشقين يرفعون أصابعهم منتصبة نحو السماء وينفخونها محتفلين بميلاد لم يدم طويلا ، ووطنا يوزع نياشينه دقيقا تفوح منه رائحة العلف الحيواني ، وزيتا يتجمد في فم من لا يمجدونه .
ثلاثين عاما وأنا اتمترس خلف دمعة ، حتى شككت بكروية الأرض فرط التسطح الذي اعتدت على رؤيته ، في النجف القديمة كان احد أفراد أسرة " الفاضلي " يصدر جريدة أسبوعية اسمها " العدل " ، انتظر ساعة صدورها فأقف أمام المطبعة التي تطبعها لأمارس مازوشيتي من خلال التمعن في حلمي الجريح المنشور على صفحاتها ، كان الشعراء الرسميون يقرأون قصائدهم تحت الأضواء الكاشفة وكاميرات التلفزيون ، وأنا اقرأ قصائدي في زقاق خلفي من منطقة الميدان ، على مرأى ومسمع حشد من العاهرات والسكارى والمحطمين ، كانت القسمة عادلة ، لي المواطنة وللرسميين الوطن .
 ولأن من سبقونا لم يقدموا تفسيرا مقنعا لأهمية وجدوى ما كتبوه خلف مكاتب المؤسسات الثقافية ، فان دوامات الرغبة السياسية كانت تجرف مبدعي القرى والأرياف نحو سماء المدينة ، وبين رؤيتهم في قمة الزوبعة ومهملين كقمامة على الرصيف ، رغبة طارئة في تقمص السلطة لدور المثقف ، ووحدهم أولئك الذين لم يقتلعوا من تحت أظافر القرى من استطاعوا أن يديموا إحساسنا بالألم .
وعندما تمددت الحرب – تلك الأنثى الضارية – فوق سريرها ، لم يرق لها ديكة الصالونات ، أولئك المدجنيين الذين لا يترددون أن يبيضوا كل يوم في قن السلطان بيضة من ذهب اذا دعت الحاجة لذلك ، فأخذتنا – نحن الدونكيشوتيين – بلا استئذان من أحضان أمهاتنا وكنا لم نزل يافعين لم يبلل الحب حقولنا ، وفي ذروة الرعشة الأخيرة لهذه الانثى لم ينهض من سريرها سوى بضعة أجداد منا دفنوا أحفادهم في خنادق الحرب البعيدة .
ما الذي تغير ؟
كانت الكلمة في خدمة الإقطاع الحزبي ، فأصبحت في خدمة الإقطاع الديني ، وكانت الكلمة تمجد القائد الأوحد فصارت تمجد المرجع الأوحد ، كانت الكلمة تلمع أحذية الجنرالات ، فأصبحت تلمع صنادل آيات الله ، كانت الكلمة عاهرا تنام مع من يدفع أكثر ، وصارت سبية يملك سيدها لحمها ودمها وبكارتها وحياتها ومماتها .
ومع كل هذا السوء والانحطاط ، لم تتوقف الصحف ووسائل الإعلام بكل أشكالها عن الكذب الفاضح والخديعة التي يسوقها المأجورون من ذوي الأغراض السياسية ، أولئك الحرباويون الذين يستطيعون تبديل وجوههم وأشكالهم حسب الحاجة الظرفية ، يتفاخرون بقدرتهم على التكيف مع بوصلة الموت ، وينسون المئات من زملائهم الذين تقطعت أوصالهم ورميت في مجاري المياه الثقيلة أو في المزابل .
ما الذي تغير ؟
كانت الثقافة خادما مطيعا ، فأصبحت قاتلا محترفا ، ويكفي سطر واحد ينشره كاتب أو صحفي صاحب سطوة طائفية أو عرقية بدافع الحسد أو الغيرة عن زميل له كي يفقد الأخير حياته ، كان يراد للثقافة أن تصبح مفردة تافهة يتم تصنيعها داخليا ، فصارت الثقافة اتفه سلعة يتم ضخها من الخارج تماشيا مع العولمة الثقافية والمنهج النيوليبرالي الذي لا يجيد أدباؤنا السويسريون والألمان والهولنديون سوى الرطن به .
أحقا نحن قادرون على التسامح والتصالح كي نقنع العالم المتحضر بمنتوجنا الإبداعي المتصدع كصورة في مرآة مهشمة ؟
إن ضعف الإحساس بالجماعة يؤدي إلى ثقافة الغيتوهات ، فإضافة إلى جدران الفصل التي أصبحت واقعا جغرافيا يفرض قوانينه على أحياء المدن العراقية ، فان جدران الفصل الثقافي التي يعليها الوعاظ السياسيون أصبحت واضحة المعالم في النتاج الفكري العراقي ، فحملات تسفيه الآراء المتبادلة لا تظهر في الصحف والدوريات العراقية إلا عندما يتعلق الأمر بمكسب شخصي لا يراد له أن يضيع ،أما الهوية الثقافية العراقية فليشتمها من يشاء وضياعها غير مأسوف عليه ، وليس أدل على هذه الحالة من الحملة التي قادها رئيس اتحاد أدباء العراق فاضل ثامر ضد الشاعر سعدي يوسف ، فعندما استنكر سعدي على الشيوعيين العراقيين أن يمدوا يدهم للاحتلال الأمريكي ، هدد فاضل ثامر بإقامة دعوى قضائية ضد سعدي يوسف في لندن حيث يقيم الأخير ، وطالب بتعويض مادي ومعنوي عن الأضرار التي لحقت بسمعته المؤسسية وليس سمعته الشخصية التي يعرف أنها لا تساوي شيئا، بعد أن جعلها في خدمة من يدفع أكثر ، ولا ادري سبب سكوت حميد سعيد عن مثل وقاحة هؤلاء الذين صدعوا رؤوسنا ببطولاتهم وإبداعاتهم ومواقفهم التي لا وجود لها إلا في مخيلتهم لأننا نعرفهم على ارض الواقع انتهازيين يضعون يدا بيد القاتل ويدهم الأخرى على عيونهم الباكية على الضحية .
ناهيك عن المهارشات الفكرية ، والملاسنات المخجلة التي تنشب كل يوم بين المتسلطين على الواجهة الثقافية من أميين ورجال دين ، بسبب الكسب المادي وليس الكسب الإبداعي ، أولأجل تاريخ الثقافة العراقية التي سجلت أول حروفها في سجل الإنسانية منذ اريدو وأوروك وما تلاهما من حضارات .
أحقا نحن جديرون باحترام العقل المتحضر ؟
 اشك بهذه الجدارة ، ما دمنا موغلين في تزوير الحقيقة وكارهين لها ، فلكي يعرفك الآخر عليك أن تعرف من أنت أولا ، والعراق المتعدد الأعراق والأديان لم يقدم خلال الأربعين عاما الماضية إلا من يقوي ثقافة السلطة وليس من يقوي سلطة الثقافة ، ولم يشذ عن هذا الوصف تمثيلنا الثقافي في مؤتمر داكار الذي وافقت خلاله منظمة القلم الدولية على عضوية العراق في هذا المنبر الحر النابذ للكراهية والعنف الفكري وثقافة الإقصاء ، والعراق يستحق هذه العضوية بجدارة مؤكدة .
 فإضافة إلى غياب المبدعين العراقيين من الكرد والتركمان والمسيحيين والصابئة عن المنصة المخصصة للوفد العراقي ، كان الأشخاص الثلاثة الذين تناقلت شبكات الانترنيت صورهم وأحاديثهم غير مؤهلين تاريخيا وإبداعيا وشخصيا لتمثيل الثقافة العراقية ، والثلاثة حسب تجارب شخصية مريرة معهم ليسوا سوى خيوط متواضعة في شبكة المافيا الثقافية العراقية التي تمتد من ديترويت إلى سدني مرورا بمالمو وبيرن وجنيفا .
فالسيدة أمل الجبوري ، ما فتئت تتشبث بدور البارونة الألمانية النبيلة ، ومن يقرأ وصف الكاتب محمد إسماعيل لمراسيم هبوطها في مطار البصرة في المربد الأخير الذي أقيم هناك ، سيشعر بالطقس البروتوكولي الذي رافق تلك الزيارة ، مع علامة استفهام كبيرة على النصوص الشعرية التي دبجها شعراء لهم إبداعهم المتميز والمتفوق على نتاج أمل الجبوري بسنوات ضوئية ، تلك النصوص التي تملق بها شعراء الجنوب العراقي أمل الجبوري من اجل وعد بدعوة ألمانية فقط ، ولا يختلف اثنان على هذا التفسير ، كما أن حرارة الجمل التي كتبها محمد إسماعيل في وصف الزيارة البارونية تستدعي تعليلا معقولا ، فانا اعرف محمد إسماعيل قاصا نصف موهوب ، وصحفيا بالتقادم ، ولا اعرفه شاعرا يعنيه أمر المربد ، وهناك من قال أن محمد هو سكرتير أمل الشخصي وواجبه أن يقوم بعمله الذي يستلم عنه راتبا باليورو .
والسيدة أمل الجبوري إضافة إلى سمعتها المخابراتية ولصوصيتها التي رأيتها رأي العين في قصر بيان الأميري في الكويت أيام الغزو العراقي لها ، ليس في جعبتها ابداع شعري تستطيع المفاخرة به او يؤهلها لركوب الموجة بجدارة ، فالى وقت خروجها من العراق إلى الاردن في تسعينيات القرن الماضي ، لم تقدم منجزا شعريا متميزا أو ذا فرادة إبداعية ،عدا كفاءتها في زيارة مكاتب مسؤولي ثقافة السلطة ، ويذكر السيد مشعان الجبوري رئيس تحرير جريدة الاتجاه الآخر ومدير قناة الزوراء الفضائية بهذا الخصوص أن صدام كامل صهر رئيس الجمهورية كلف أمل الجبوري باغتياله في عمان حين انشق مشعان عن المؤسسة السياسية التي انتشلته من وضعه الاجتماعي المزري ، فعينته احد الدراجين في الموكب الرئاسي بعد أن عمل رزاما في جريدة الثورة الصادرة عن مكاتب قيادة الحزب في العراق .
ورغم ميلي إلى التشكيك برواية مشعان التي يتهم فيها أمل الجبوري بدور القاتل المحترف ، إلا إنني لا استبعدها تماما ، فأمل الطالبة في كلية الآداب بجامعة بغداد كانت كاتبة تقارير استخبارية بشهادة زملاء مشتركين لي ولها ، فانا كنت أشارك في مهرجانات الشعر التي تقيمها كلية الآداب ممثلا لكلية الإدارة والاقتصاد التي كنت ادرس فيها ، وأنا وأمل من مرحلة دراسية واحدة ،كانت أمل رأسا من رؤوس المثلث الذي يشكله كل من الشاعرة دنيا ميخائيل المقيمة الآن في أميركا ، والشاعر عبد الرزاق الربيعي المقيم الآن في مسقط ، وأمل المقيمة الآن في المانيا ، وأنا اجل وأنزه دنيا ميخائيل وعبد الرزاق الربيعي عن الدور الذي مارسته أمل الجبوري بصفتها موظفة أمنية وليست طالبة في جامعة ، وتعاقد طلبة الكليات العراقية بكل اختصاصاتها مع الدوائر الأمنية كان امرأ شائعا في الحرم الجامعي العراقي وما زال معمولا به مع تعديل بسيط هو أن التعاقد يتم الآن مع مؤسسات أمنية أجنبية .
وأصل تشكيكي برواية مشعان التي يتهم بها أمل ،يتأتى مما لمسته لمس اليد عندما عملت سكرتيرا لتحرير جريدة الاتجاه الآخرلمدة شهرين في أول أيام المنفى في دمشق ، كان مكتبي مجهزا بكل ما يحتاجه الصحفي من تقنيات ، ومجموعة المحررين كلهم من الزملاء السوريين ، ومنصب مشعان في البرلمان العراقي كان الإشراف على اللجنة الأمنية فيه ، أنا في دمشق وهو في بغداد ، نتحادث عبر البريد الالكتروني ، يبعث هو بالمواد التي يريد نشرها مصحوبة بتوجيهاته ، وأنا أنفذ كي أفوز بخبز المنافي واحمي ولدي الصغيرين من الموت بعد أن فررت بهما من بنادق المليشيات ، كانت أدراج مكتبي ملآى بفلوبيات وسيديات لا اعرف ما تحويه ، إضافة إلى كارتونات كبيرة فيها أدوية مرصوفة تحت المكتب ، وعندما احتجت في إحدى المرات إلى فلوبي كي اخزن عليه مواد صحفية بعثها لي مشعان من بغداد ، مددت يدي إلى احد الأدراج وتناولت احد الفلوبيات الموجودة فيه ، وكانت الفاجعة ، لقد رأيت في الفلوبي محتويات لا استطيع الإدلاء بها الآن ، جربت آخر وآخر والنتيجة ذاتها كانت تتأكد كل مرة ، وسيأتي اليوم الذي اكشف فيه مكنونات تلك الأقراص .
وفي إحدى الليالي كنت أجهز عدد الجريدة للطباعة واستنسخه على CD  كي يحمله السائق إلى بيروت ، لان الجريدة تطبع هناك كونها تصدر بامتياز هولندي حسب جنسية مشعان ، بعث لي مشعان من بغداد برسالة عاجلة يقول فيها " سيكون من المفيد كتابة تقرير صحفي نذكر فيه مآثر شهيد المحراب السيد محمد باقر الحكيم ، دون أن ننسى مآثر والده السيد عبد المحسن الحكيم الذي منع نشوب حرب أهلية في العراق " ، كان الطلب بمثابة تجميل وجه الشيطان ، فانا الهارب من بغداد قبل ثلاثة أشهر ، لا استطيع نسيان جثث زملائي وأصدقائي وأقاربي الذين حصدهم رصاص فيلق بدر التابع لآل الحكيم في شوارع المدينة وأزقتها ، فكتبت تقريرا إخباريا لا امدح فيه أحدا ولا اشتم فيه أحدا ، كان تقريرا إخباريا مهنيا ، وبعثته إلى مشعان في تلك الساعة المتأخرة كي يطلع عليه ويعطي موافقته على النشر ، وجاءني الجواب بعد دقائق بشكل رسالة تقول " إذا كان مستوى التقارير الصحفية في جريدتنا بهذه الضحالة فسيكون من المفيد عدم نشرها " ، وفي اليوم التالي قال لي لماذا لم تكتب ما طلبته منك ؟ قلت لسببين مهمين وعندما تأتي إلى دمشق سأشرح لك .
 كنا في اليوم الثامن والعشرين من رمضان عام 2004 عندما دخل مشعان الجبوري ليلا إلى بناية الجريدة قادما من بغداد ومتوجها إلى فرنسا لقضاء عيد الفطر بمعية زوجته ، ناداني وقال لي اشرح لي الآن رفضك الكتابة ، قلت أريد أن احدد موعدا بيني وبينك في يوم غد فانا لا أريد التحدث بوجود السيدة زوجتك ، في البداية وافق على المقترح وسلمني راتبي المتأخر لمدة شهرين منقوصا ، وعندما هممت بالمغادرة صاح بهستريا وهو يضرب يده فوق زجاج مكتبه : أريد أن تخبرني الآن ، كان صراخه قد عم أرجاء المكان ، قلت لا بأس سأخبرك ولكن لا تلمني ، أما السبب الأول فانه يتعلق بالتناغم العاطفي الذي تداهن به الأعضاء الشيعة في البرلمان العراقي كي يرشحوك إلى منصب وزاري كونهم أغلبية ، وأما السبب الثاني فانه يتعلق بعمليات قتل العلماء العراقيين والكفاءات العراقية التي ينفذها آل الحكيم عن طريق ميليشيا فيلق بدر إرضاء لمراجعهم المذهبيين والسياسيين في طهران ، وبلا أدنى احترام لأي قيمة تربوية أو أخلاقية صرخ في وجهي : أنت طائفي والسيد الحكيم يشرفك ، عندها لم يبق أمامي إلا أن اسأله أمام زوجته : هل أنت مشعان الجبوري أم مشعان البرزاني أم مشعان الحكيم ؟ وإذا كان السيد الحكيم يشرف أحدا فانه يشرفك يا ناكر أصلك ، وأشرت إلى صورة كبيرة يتوسطها مسعود البرزاني ومشعان على يساره واحد المستشارين الأمريكان على يمينه ، وعندما طارد القضاء العراقي مشعان ونجله بتهم مالية وسياسية تقمص مشعان وجه جيفارا ، وبدأ يبث أشرطة القتال التي يتعرض لها الجيش الأمريكي ويسمي عبد العزيز الحكيم عدو العزيز الحكيم وحارث الضاري سماه مشعان شيخ الإسلام ، وبث الجلسات الشخصية التي كان يوجه بها مقتدى الصدر اتباعه ، وسمى القيادات الشيعية بالصفويين دون ان يتطرق الى جرائم البيشمركة في الفلوجة والنجف وشارع حيفا ومدينة الثورة ، ودون ان يسلط الضوء على جرائم الوهابيين واتباع طالبان من السنة، وأعادت فضائيته بث إحدى قصائدي التي تتغنى ببغداد عشرات المرات رغم تصنيفه لي باني طائفي ، والأغرب الأغرب إن مشعان رئيس كتلة حزبية اسمها " المصالحة والتحرير " وهو الذي لم يكل يوما من مناداة مسعود البرزاني بلقب " السيد الرئيس " رغم إصرار البرزاني على تمزيق وحدة العراق وتشجيع ديمومة الاحتلال الأمريكي له ، فأي مصالحة يقصد مشعان وأي تحرير ، ورغم كل هذه العيوب النفسية التي يعاني منها مشعان إلا أن شهادته عن دور أمل الجبوري في المخابرات العراقية تستحق التصديق لان السيدة أمل الجبوري أعطت أكثر من إشارة إلى دورها المخابراتي ، ومن هذه الإشارات زواجها من عقيد مخابراتي عجوز اسكنها في شقق 28 نيسان .
والسيدة أمل ستكون مطالبة بأن توضح لأعضاء منظمتها " ديوان الشرق والغرب " بان البناية التي يشغلها فرع منظمتها في شارع حيفا هي عقار من العقارات المستولى عليها بالقوة ، كما كان مقر منتدى الأدباء الشباب في الطالبية دارا مصادرة تعود ملكيتها لأحد العراقيين من التبعية الإيرانية ممن سفروا بالقوة في بداية الحرب مع إيران عام 1980 وصودرت أملاكهم ، ولا ادري هل السيدة الجبوري توافقني الرأي بان الاستيلاء على أموال الغير ليس من أهداف المنظمات الإبداعية ، أما إذا قالت لنا السيدة أمل بان البناية هبة من الدولة العراقية لمنظمتها ، عند ذاك علينا السؤال عن السبب الخفي وراء التبرع بأملاك عراقية لمنظمة أجنبية قانونا ورئاسة .
وهذه الحالة تنطبق تماما على مقر " كاليري الأرض " الواقع في مدخل شارع المغرب من جهة الوزيرية ، فالبيت ذو الطابقين الذي تشغله منظمة علي الشلاه السويسرية ،عقار مسلوب من أصحابه الأصليين ، ويبدو أن السيد علي الشلاه قد شعر بالغبن والإجحاف وهو يتابع أخبار السطو على هياكل الدولة ومؤسساتها وسجلاتها ومصارفها ومتاحفها ومكتباتها عند دخول دبابات البيت الأبيض إلى مجلس هارون الرشيد وباحة المدرسة النظامية ، فأراد أن يعوض ما فاته بان سرق المتنبي فقط ، وهي سرقة لا تثير سخط احد ولا يتابعها القانون كجريمة ، ولا ندري السر الذي دفع علي الشلاه إلى المتنبي وليس إلى شاعر آخر مثل أبي العتاهية أو النواسي أو أبي تمام ، ربما لان المتنبي ابن الكوفة وعلي الشلاه ابن الفرات الاوسط وطبقا لنظام المحاصصة الذي ابتكره عصر الحرية الجديد فان علي الشلاه أولى بالمتنبي من غيره .
ولأنني اعرف علي الشلاه شاعرا يكتب بطريقة الكلمات المتقاطعة ، فقد استغربت اهتمامه المثير للشكوك بابي الطيب ، ولقد قرأت تبريرات غير مقنعة قالها علي الشلاه في مناسبات عديدة بهذا الشأن ، فإذا كان المستشرقون مولعين بالمتنبي وأدبه فإننا غير مجبرين على مسايرة تلك الميول ، وإذا كان الشلاه يريد اطلاع جمهور الأدب في أوربا على نتاج ابن الكوفة الحمراء فأظنه اخطأ الاختيار ، لان المتنبي ليس من الشعراء الذين يفخر بنتاجهم الفكري ، فقصائده ترديد لقيم بدوية عفا عليها الزمن ، وسمعته استمدت سعتها من القناعات السوسيولوجية التي تحكمت بالروح العربية المنحدرة من القيم البدوية التي لا تؤمن الا بالقوة والمفاخرة المفرطة في الغاء الاخر ، وشعر المتنبي فيه عاهات كبيرة ، فهو شعر عنصري يركز على طائفة من الناس دون غيرها / واني لمن قوم كان نفوسهم / ، كما انه شعر كاذب في تفاصيله ، يروي ابن الأثير في " الكامل " أن سيف الدولة الحمداني لم ينتصر في أي من معاركه مع الروم ، ومع هذه الحقيقة التاريخية نجد عشرات القصائد التي تمجد انتصارات سيف الدولة الخرافية ، وشعر المتنبي يدعو للعنف والقوة والاستئثار .
وكان من الاجدر بعلي ان يروج لادباء عراقيين يدعون الى التسامح والامل ، ومن يقرأ كلمة السيد علي التي القاها في مؤتمر داكار سيصاب بالاحباط والدهشة ، فرغم اتخاذ رابطة القلم الدولية مبدأ مساعدة الكتاب في الدول المنكوبة على طلب اللجوء الى دول توفر لهم الامان والشرط الانساني هدفا ساميا من اهدافها ، الا ان السيد علي طلب في كلمته امام المؤتمرين ان تلجأ المنظمة الى التعامل مع الادباء العراقيين بطريقة تتلخص بامدادهم بالدعم وعدم فسح الطريق امامهم للجوء في دول العالم ، وكأن اللجوء حكر لعلي وامل الجبوري ، وعلى طريقة ابي فراس الحمداني ، اذا مت ظمآنا فلا نزل القطر ، ولا ادري أي دعم ذاك الذي يتحدث عنه السيد شلاه ، فالعقول التي تعصف بها الكارثة تحتاج الى فسحة امل ويد حانية ، وليست تحتاج الى قطعة خبز رغم اهميتها البايلوجية ، وربما غاب عن ذاكرة السيد شلاه ان محمدا نبي المسلمين كان مدعوما من السماء ، ولكنه لم يستطع مواجهة الموجة الدموية التي لحقت باتباعه على يد القرشيين ودهاقنة مكة ، فاضطر الى الايعاز لهم بالهجرة الى الحبشة حيث النجاشي العادل ، وسجلوا بتلك الرحلة اول عملية لجوء في الاسلام ، واظن وان بعض الظن اثم وليس كله ، ان السيد شلاه بطلبه الغريب ذاك اراد ان يضرب عصفورين بحجر واحد ، فهو يريد الدعم لادباء العراق لكي تكون التبرعات تحت تصرفه بصفته رئيس منظمة القلم العراقية ، وادباء العراق من المطاردين او المغضوب عليهم لن يكون امامهم مناص للخلاص الا بالوقوف امام باب السيد علي وهي باب بعيدة عن بؤساء الداخل لانها في سويسرا ولا يمكن الوصول اليها ، وبهذه الطريقة سيستطيع السيد علي ان يقيم صفقاته .
وحين قرأت الاسماء المشاركة في المؤتمر التاسيسي لرابطة القلم العراقية الذي عقد في دمشق ، لم اجد اسما واحدا لمبدع من ادباء الموصل او تكريت او كركوك او ديالى او الحلة او الكوت او العمارة ، ووجدت 90 بالمائة من المدعوين لهذا المؤتمر هم من الادباء الشيعة ، وهذا امر عزز اشاعة قديمة تعود الى عام 2005 ، تقول هذه الاشاعة ان السيد علي الشلاه يوزع وعودا بدعوات خارجية على الحوزات الدينية المنتشرة في حي السيدة زينب في دمشق كلما مر في طريقه الى العراق ، رغم ان هذه الحوزات لا علاقة لها بالثقافة او الادب الخلاق ، وخبر مثل هذا كان يجب ان يصلني ايام اقامتي هناك ، لان عدد الشعراء العراقيين في كل سوريا لا يربو على عدد اصابع الشخص الواحد .
اما حميد المختار ، فقد عرفته قاصا وروائيا جديرا بالاحترام قبل ان تلقي المخابرات العراقية القبض عليه عام 1999 ، بعد حادث اغتيال محمد صادق الصدر ، وقد سمعت من مقربين لحميد روايتين متضاربتين حول سبب اعتقاله ، فالرواية الاولى تفول ان حميدا كان يكدس الاسلحة في بيته الواقع في مدينة الثورة التي تعد المعقل الرئيسي لاتباع الصدر ، وانه كان يوزع هذه الاسلحة على الشباب الذين يريدون الثأر لزعيمهم المغدور ، والرواية الثانية تقول ان حميدا كان يتاجر بتهريب الاثار الى خارج العراق ، وكلا التهمتين تفضيان بمن يتهم باحداهن الى دهاليز المخابرات العراقية ، ولكن الذي يرجح الرواية الاولى لدي هو ما لمسته وعاينيته ، فبعد سقوط الدولة العراقية في نيسان 2003 ، فقدت عملي مدققا لغويا وعلميا في بيت الحكمة العراقي ، كانت حمى النهب تضرب في كل الاتجاهات ، فلجأت الى بيع سندويجات البيض المسلوق في سوق الهرج في منطقة الميدان كي ادبر عيشة عائلتي ، وشاءت الصدف ان التفي القاص والمترجم النبيل حسين حسن الذي يعاني الان من مرض السرطان والاهمال المخزي من قبل اقرب اصدقائه ومن قبل اتحاد ادباء العراق ، وكان بصحبة حسين الصحفي الكربلائي المنكوب بالجلطات الدماغية ناظم السعود ، فعرض علي ناظم ان اعمل معه في جريدة اسمها " العراقي " ، وتواعدنا في اليوم التالي ، وعندما توجهنا الى مقر الجريدة ، وجدنا حراسا مسلحين في باب بناية اعرفها جيدا ، انها بناية تابعة لوزارة التربية وكانت مقرا لمديرية التعليم المهني ، وتقع مقابل مقر جريدة الجمهورية في منطقة الصرافية ، دلفنا انا وناظم بعد استجواب قصيرمن قبل الحراس ، وجلسنا في غرفة نصف مؤثثة ، قال لي ناظم ان رئيس تحرير هذه الجريدة روائي تعرفه ، وسيكون سعيدا بعملك معنا ، كانت الوجوه التي تمر على الغرفة التي نجلس فيها توحي باننا في حسينية وليس في مقر جريدة ، رجال بعمامات سود كبيرة ، رجال ملتحون بمسابح وخواتم ، احاديث عن الامام المقدس ، حاولت اشغال نفسي ريثما يصل رئيس التحرير الذي طال انتظاره ، خرجت الى الباب الخارجي للمبنى كي ازجي الوقت فتوقفت سيارة حديثة ذات لون ازرق مخضر وترجل منها حميد المختار بكامل اناقته ، تصافحنا بعد سلام ودخلنا الى داخل المبنى ، كان ناظم في الغرفة لم يغادرها لان قدميه لا يحملانه من الجلطات ، قال ناظم لحميد حاتم سيكون مصححا ومحررا في جريدتنا بدل حسين القاصد ، كانت ردود حميد دبلوماسية وباردة ، فمرة يقول نحن في طور التاسيس ، ومرة يقول نحتاج الى وقت كي نرسم خطنا التحريري ، مضت الايام وانا اتواجد يوميا في مقر الجريدة المزعومة بعد ان وعدوني خيرا ، وصادف ان يوم غد يوم عيد ، فدخل شاب الى غرفة التحرير ونادى على كل الحاضرين تباعا وسلمهم هدية العيد التي وصلت من السيد كما قال لهم ، الا انا لم استلم أي مبلغ ، بعد العيد طلبوا مني ان اشارك في مهرجان شعري مركزي يقام على قاعة الجامعة المستنصرية لمناسبة ذكرى اغتيال محمد صادق الصدر ووعدوني بجهاز تلفزيون هدية لاطفالي اذا شاركت في المهرجان ، كنت ارى الدعوة مجرد اختبار للولاء او ترويض يراد منه ان اكون ضمن القطيع ، قلت مشاركتي ليست اكيدة لانني ساسافر، وعندما خرجت في ذاك اليوم من مبنى الجريدة وجدت صديقا قديما يشاركني الشعر والخمر والعلمانية ، قال انتظرت خروجك لأمر مهم ، اخذني الى مقهى الجماهير القريبة وانزوينا في ركن بعيد ، قال انا احد كوادر جريدة العراقي ومطلع على خفايا امورها، وعليك ان تعرف ان حرمانك من هدية العيد قبل ايام لمن يكن بالصدفة او سهوا ، انما كان امرا مقصودا ومحل نقاش داخل الحلقة الضيقة المشرفة على ادارة " الجريدة " وان تقريرا امنيا قد صدربحقك يدعو الى تصفيتك جسديا على يد مليشيا اسمها " القصاص العادل " وان حميد المختار هو المستشار الاعلامي لمقتدى الصدر ، وقد حاول الدفاع عنك امام مسؤوليه دونما طائل ، فانصحك بعدم الوصول الى الجريدة وعدم الظهور امام المسؤولين عنها ، ولقد تابعت وقائع المهرجان التأبيني الذي اعتذرت عن المشاركة به والذي نقلته شبكة الاعلام العراقية ، ووصلني من مشاركين فيه ان المسؤول التنظيمي عن المهرجان ، صعد المنصة عند الافتتاح وقال مخاطبا علماء الشيعة الحاضرين فيه ، " كان من المفروض ان يشارك احد شعراء العراق اليوم بهذا التأبين ولكنه باع السيد محمد الصدر وسافر " ، وكان هذا الكلام لوغر الصدور وتمهيد الطريق الى تصفيتي جسديا من خلال اضفاء شرعية على ما يريدون القيام به ، ولقد اعترف عدد من الشعراء العراقيين بهذه الواقعة ومنهم الشاعر وجيه عباس عندما نشر ما وقع لي في احدى مقالاته .
لقد كانت مليشيا " القصاص العادل " هي البؤرة التي تناسل فيها ما يسمى اليوم " جيش المهدي " وان كان الكلام عن " القصاص العادل " شبه سري او غير شائع ، وكان حميد المختار احد قيادي " القصاص العادل " ، وفكرة ادماج المثقفين بالعمل المخابراتي والامني ليست جديدة ، فما يقال عن جورج اورويل وسومرست موم ، يمكن ان يقال عن حميد المختار وحميد سعيد ايضا الذي كان احد مؤسسي منظمة " حنين " الذراع العسكري والمخابراتي لحزب البعث العراقي والتي تطورت بعد عام 1968 الى دائرة المخابرات العراقية ، ولا ادري أصحيح ما صرح به حميد المختار لجريدة الصباح ام مجرد تشويق عندما قال إن حميد سعيد القيادي البارز في البعث العراقي سيكون المدير التنفيذي لرابطة القلم العراقية .
لقد دفعت جراء عدم المشاركة في الاصطفاف المذهبي المؤدلج ثمنا باهظا ، لقد دخل افراد من " القصاص العادل " الى منزلي وانا نائم ورشوني بالبزين واضرموا النار في جسدي ببشاعة بتاريخ 8/6/2003 وبعدما قضيت في المشفى 42 يوما هربت من غرفتي لان احد المضمدين المتعاطفين معي لاحظ غرباء بريدون الدخول الى غرفتي بلا اسباب مقنعة ، وايغالا في دوره ، وافق حمبد المخنار في المؤتمر الانتخابي لاتحاد الادباء في العراق الذي عقد بعد الاحتلال ان يضع اسمي ضمن قائمة سوداء صدرت عن ذلك المؤتمر الذي ترأسه حميد المختار ونشرت وقائعه مع القائمة السوداء جريدة المشرق البغدادية الصادرة في 12 – 1 – 2004 .
انني اضع هذه الحقائق امام الزملاء الاعضاء في المنظمة الام في لندن ، واقترح عليهم ان يكون تمثيلنا العراقي جماعيا وليس تمثيلا فرديا تحتكر فيه الواجهة لجهات هي ابعد ما تكون عن روح التسامح والعدل ، ولو طلب مني ترشيح من يليقون بالثقافة العراقية وتليق بهم لما ترددت باختيار اسماء مبدعة مثل دنيا ميخائيل ، حميد قاسم ، احمد خلف ، كولالة نوري ، فوزي اكرم ترزي ، ثامر معيوف ، فهولاء وامثالهم كثيرون ، يتمتعون باياد بيض ، وضمائر مرهفة مبدعة ، وابداع ثقافي متميز وجدير بالثقة ، ولهذا الحديث بقية اخرى اكثر مرارة .
 
ملاحظة : كل شهودي في هذا المقال من الاحياء كي تكون للحقيقة نكهة لاذعة .