freehuman

مدونة تهتم بحرية الكلمة وقداستها بعيدا عن صفقات وصفاقات السماسرة وثقافة البنزين التي حولت جسدي يوم 9/ 7 / 2003 الى كتاب خالد لا تجيد قراءته عيون مثقفي المسدسات والمثاقب الكهربائية.

الثلاثاء,كانون الثاني 08, 2008


 

 حاتم عبد الواحد

 

لو قيض للحزبيين الأكراد إنشاء دويلتهم الوهم فبأي لغة سيخاطبون رعايا هذه الدويلة وبأي تاريخ سيتواصلون مع جيرانهم المفترضين؟

أنا اعلم أن من حق النملة أن تحلم بالطيران ، ولكن عليها أن لا تنسى المناقير التي تنتظرها .

 إن الاستقرار وتعزيز الاقتصاد والعدالة الاجتماعية هي أهم ركائز قيام الدول الحديثة ،وليس بإمكان المتفحص لتاريخ التحزب الكردي أن يجد أيا من هذه المسميات في خطط الحزبيين الأكراد ، والسبب برأيي الشخصي يعود إلى التباس مفهوم الدولة بمفهوم الوطن داخل دهاليز الجمجمة الكردية ، ومهما يكن فانا اعذرهم لهذا الالتباس لأنهم لم يعيشوا في وطن له هوية واضحة وانجاز واضح ، ولم ينتجوا وطنية يمكن الاستدلال من خلالها على فلسفة الحكم لدى الأكراد .

لقد وظف الحزبيون الأكراد في فترة ما المنطق الأخلاقي قاعدة للخطاب مع الشعوب المتعاطفة مع قضيتهم ، بعد أن أعادوا تسمية أنفسهم من موجات بشرية نازحة تريد الاستحواذ على الأرض التي آوتها إلى شعب مظلوم ، وإذا كان المنطق الأخلاقي يشكل دعامة من دعائم القوة – رغم وصف البعض له بأنه مجرد دعاية أو تزويق إعلامي – فان براهين فاعليته تعتمد الحياد الذي لا يفرق بين مصالحك ومصالح غيرك وفق معيار واحد، حتى وان كانت التباينات الثقافية والدينية لمفهوم العدالة بين شعوب الأرض تضعف من فرصة المنطق الأخلاقي ، فالحكم على أشخاص يديرون سياسة مجموعة بشرية في إقليم ما يختلف كثيرا حين يحكم على نفس الأشخاص عندما يكونون مواطنين عاديين بلا مناصب ، كما أن العدالة تستلزم قدرا موازيا من النظام وفي غياب هذا النظام يصعب تحقيق هذه العدالة.

يخبرنا التعريف القاموسي لكلمة " امة " بأنهم مجموعة من الناس يشتركون بهوية واحدة ولهم الحق في إقامة دولة ، ولكن المبهم الكبير في هذا التعريف هو نوع الهوية أو هوية الهوية ، فهل هي دينية أم عرقية أم لغوية ؟

وأكثر الذين يلجأون لإنشاء الأمم هم أولئك الذين يعيشون على هامش ثقافة سائدة ، أو أولئك الذين لا يستطيعون تحديد هوياتهم على وجه الدقة ، حيث يعاني هؤلاء من الخروج من الأنماط المألوفة ، رغم تمسكهم بقومية واحدة ، فالقومية مفردة ذات مدلول تبريري ودلالة سياسية وليست مفردة ذات معنى وصفي واضح.

لقد نشأت الأحزاب الكردية في كنف القبيلة وما زال التناحر الحزبي يتغذى بمعطيات قبلية وان رمت عليه واجهة السياسة والجاه والملك ستارا سميكا من الدبلوماسية ، ومازال نظام الحكم الذي يتبعه الأكراد يستنبط مقوماته من نظام الأسرة- الدولة الذي ازدهر في القرون الوسطى في وسط غابت عنه إمكانيات الاتصال بالآخر ، ولعبت الجغرافيا بتضاريسها دور الحارس الأمين لذلك النظام ، وهذا ما يفسر بقاء مراكز السلطة الكردية الفعلية متخفية وراء الجبال وان كانت لها مبان ذات زجاج ملون وسط المدن ، إلا أن العقل الكردي لا يرى وطنا إلا في قبيلته التي تتبجح بأبطالها وغنائمها ودسائسها أحيانا ، فالأكراد السورانيون الذين ينحدر منهم مام جلال يمقتون البهدنانيين الذين ينحدر منهم مسعود البرازاني ، ويكاد الطرفان لا يتفاهمان باللغة التي يتحدثان بها رغم أنها لغة كردية ورغم أنهما يعتنقان المذهب السني الشافعي ، والسورانيون والبهدينان يمقتون الفيليين لأنهم يعتنقون المذهب الشيعي، وعودة بسيطة إلى الوراء سترينا جثث 50 ألف كردي قتلوا خلال تسعينات القرن الماضي رغم رعاية أمريكا للأكراد في ملاذ آمن .

انه صراع السلطة وليس صراع العراق الوطن ، فالأكراد لديهم وطن آخر هو القبيلة ، وهذا ما يفسر الفضائح التي زكمت أنوف الاسكندينافيين حين صرف  احمد بامرني جوازات سفر عراقية لقتلة وإرهابيين ومطلوبين ليسوا عراقيين ، رغم أن الفضيحة سجلت دبلوماسيا باسم العراق وليس باسم الأكراد ، فالسورانيون المسيطرون على وزارة الخارجية العراقية أمموا سفارات العراق في العالم لصالحهم ، لان دويلتهم الوهم تحتاج إلى منافذ دولية تطل منها على العالم مزوقة بمكياجها الذي يجمل وجهها القبيح .

لقد دافع الأكراد عن تاريخ مصطنع اتخذوه حجة لجدارتهم الايكولوجية ، فأطنبوا في تعداد مزاياهم التي لم نعثر لها على اثر في بطون المدونات أو وجوه الحجارة والتنقيبات الأثرية ، وتشبثوا برابط اللغة التي ينطقونها دون أن تؤدي دورها في التوصيل رغم احتوائها على خليط من مفردات فارسية وتركية وهندية وجورجية وعربية دخلت في أبجديتهم جراء إسلامهم ، وعلى ذكر الإسلام فان كتب السيرة والوقائع الحربية والفتوحات تذكر لنا أن الإسلام توجه من جزيرة العرب شرقا وغربا وشمالا ففتح الشام ومصر وفارس والسند والهند ولكنني لم اعثر على سطر واحد أو إشارة لمعركة حصلت بين جيوش العرب المسلمين وجيوش الأكراد الزرادشتيين ، إن ادعاء الأكراد بوجودهم التاريخي منذ 4000 عام يحتم علينا أن نصدق وجود ممالك أو إمارات أو مدن كردية أيام الفتح الإسلامي ، فهلا اخبرنا مثقفو البيشمركة أي إمارة كردية سقطت بيد الجيش الإسلامي عند فتحه للعراق أو فارس أو القسطنطينية أو الشام ؟؟؟؟

إن عدم ورود خبر لمثل هذه المعارك في كتب التاريخ الإسلامي يعود لسبب واحد فقط هو أن الأكراد لم يكونوا موجودين أصلا في ذلك الزمان .

وإذا كان العرق هو ما يجمع الأكراد كما تسوق أدبياتهم الحزبية فان الدلائل التشريحية تؤكد أنهم أعراق مختلفة لا تمت لبعضها بصلة ، ناهيك عن انصهارهم في مجاميع عرقية أخرى تعيش في شمال العراق تم تهجيرها من مدنها وقراها بعد أن اشتدت وطأة الأكراد عليهم ، ولم يزل اليعاقبة والنساطرة يقدمون الدليل تلو الدليل على آشورية الحاضن الجغرافي التي يدعيه الأكراد، ولعل من المفيد القول أن بعض العلماء الروس يحيلون العرق السوراني الكردي إلى جورجيا السوفيتية أو ارمينيا ويحيلون البهدنان الكرمانجيين الى شمال إيران وتخوم أفغانستان والهند ، ولو تفحصنا مجموعة كردية عشوائية فإننا سنلاحظ بعضهم ذوي عيون زرقاء وبشرة بيضاء وشعر اصفر وهؤلاء الأكثرية  في العرق السوراني بينما تميل اشكال البهدنانيين إلى الأشكال الهندية والفارسية أكثر مميزة ببشرتها السمراء وشعرها المجعد.

 إن مجموع الاصفار يؤدي إلى صفر كبير، ومراكمة الظلم بشقيه المادي والتاريخي لايؤدي الى الحقيقة ، وانشغال الاحزاب الكردية بمطامعها في السلطة والجاه والثروة قد يضيع إلى الأبد طموحات الشعب الكردي بالعيش الآمن في بلده العراق ، كما أن إيقاد روح الكراهية تجاه كل الأعراق التي يقاسمون الأكراد في الأرض يحيل إلى سيكلوجية اللص الذي لا يريد رؤية أصحاب البيت الشرعيين كي يسرق كما يشتهي ، والاستقواء بالأجنبي لا يدوم طويلا لان الأجنبي له مصالحه التي تتعارض ومصالح الكردي العراقي ، وحتى الآن لم نزل نسمع نشيج الأكراد وهم يتحدثون عن سياسة التعريب التي اتبعها صدام حسين في كركوك ، بينما تسد الأحزاب الكردية وميليشياتها الأفواه والأذان عندما يسالون عن تكريد كركوك ، وللحقيقة لو أراد طرف أن يعترض على سياسة صدام حسين في تعريب كركوك فان التركمان هم من لهم الحق الكامل لان كركوك مدينتهم الخالدة ، ولكن منطق ازاحة غير الاكراد من جذورهم الجغرافية أنسى الأكراد انهم ضيوف في المدينة وليس من حق الضيف تقرير مصير أصحاب الأرض ، ولو عدنا الى 50 سنة مضت فإننا سنكتشف ثلاث اغارات كبرى نفذها الأكراد ضد كركوك وأهلها الاصليين ، مع ملاحظة أن هذه الاغارات تمت في الوقت الذي ضعفت فيه ارادة المركز في بغداد ، ففي عام 1959 حصلت مجازر كركوك ضد التركمان وسقط شهداء من خيرة شبابهم دفاعا عنها ، وفي عام 1991 دخل الاكراد كركوك بموجات كاسحة اثر هزيمة الكويت ، فخربوا مؤسسات الدولة وسرقوا المصارف ووثائق الشرطة والامن والمحاكم والمستندات العقارية والسجل المدني وافرغوا حتى المستشفيات من اسرتها وصعدوا نحو جبال ايران عندما سمعوا بصرير دبابات صدام حسين ، وفي عام 2003 دخلوها ايضا بصيغة المنتصرين وكانهم كانوا طرفا مهزوما في المعادلة الاجتماعية فاستولوا على كل شيء ولم يكتفوا بهذا ، انما باشروا باستيراد مجموعات بشرية من ايران وتركيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي الجنوبية وزودهم ببطاقات الاحوال المدنية والجوازات العراقية بعد ان اسكنوهم بيوت العرب والتركمان والمؤسسات الحكومية  غير مبالين بمستقبل الوطن ما دامت المناصب الحكومية اصبحت تخولهم التصرف بالعراق كولاية من ولايات " كردستانهم "، وتوالى مبدأ الاعتماد على القوة والتحالفات العرقية حتى استطاعوا بمقايضة مكشوفة مع الائتلاف الشيعي من تضمين المادة 140 في الدستور العراقي اللاشرعي الذي افضى الى الانتخابات الرئاسية و بشهادة الامريكان انفسهم ، فقد كتبت صحيفة النيويورك تايمز في عددها الصادريوم 31/12/2006 ما يلي

" الانتخابات العراقية لم تكن ديمقراطية على الاطلاق، ولا يمكن اعتبارها اساسا لإرساء نظام سياسي حر وديمقراطي وتعددي في العراق ، بل انها وصفة مثالية لحرب أهلية طاحنة "

إن عدد السكان الأكراد في العراق لا يؤهلهم لأغلبية تستحوذ على البرلمان العراقي مناصفة مع مجموعة عبد العزيز الحكيم ، وربما بقي التركمان الذين يشكلون 17%  من مجموع سكان العراق هم المهمش الأكبر في المعادلة الوطنية ، فرغم الإقصاء الطويل الذي مورس على التركمان من قبل الحكومات العراقية بسبب نظرية المؤامرة الحاضرة في رأس الحاكم ، واتهام المواطن التركماني بالتجسس لصالح تركيا ، إلا أن الوقائع التاريخية والسياسية لم تسجل حالة واحدة ثبت فيها هذا الاتهام بحق التركمان ، ولم يقدم تركماني واحد للمحاكمة طوال عمر الدولة العراقية بتهمة التجسس لتركيا ، بينما نجد نقيض هذه الصورة لدى الأكراد الذين تملقوا لكل الحكومات وأكلوا من يد كل الرؤساء والملوك العراقيين قبل أن ينقلبوا عليهم بتمرد أو تجسس على البلد لصالح الأجنبي أو التخريب الاقتصادي ، ومما يجدر بالذكر أن الأحزاب التركمانية لم تتخذ مليشيات تقاتل باسمها او ترفع اسمها او حتى من باب حماية الشعب التركماني ، ولم تتخل عن عراقيتها مقابل دولة موعودة كما فعل الأكراد.

إن كركوك هي سرة العراق الجديد ، وهي بلا شك صورة العراق الجميلة التي تعيش على أرضها كل الأعراق والأديان والمذاهب والحضارات ، يختلط على تلالها مجد آشور والكلدانيين ويتجاور في شوارعها الإغريقي والإسلامي بلا عنصرية أو تفوق كاذب ، وان الحفاظ على هوية كركوك العراقية أصبح هو البوابة المؤدية إلى تحرير العراق .

 لقد ناضل أبناء هذه المدينة بكل تنوعهم لكي تبقى كركوك عراقية خالصة ، مما يعطي صورة تقتدى لسكان المدن العراقية الأخرى ، ورغم سقوط المادة 140 سياسيا وقانونيا إلا أن الأكراد ما زلوا يسمون كركوك " قدس الأقداس " ويوقع بعض المثقفين الكرد تحت اسمائهم عبارة " كردستان الجنوبية " في إشارة إلى كردستانات اخرى ، ولكن مع أول اطلاقة وجهتها القوات التركية الى متمردي حزب العمال الكردي في جبل قنديل ، خرج جبار ياور وكيل وزارة البشمركة ليطالب الحكومة العراقية بتحمل مسؤوليتها وإيقاف الهجوم وحماية الحدود ، متنازلا عن كل الكردستانات عندما يتعلق الأمر بسلامته الشخصية وامتيازات قادة الأحزاب الكردية ، إن فصام العقل الكردي له ما يبرره في هذه المرحلة من التاريخ ، فليس من السياسة بشيء قولنا أن جلال الطالباني رئيس دولة العراق وان هوشيار زيباري وزير خارجية دولة مؤسسة للجامعة العربية ، إن هذه الوقائع هي وقائع تاريخ وليست سياسة ، والعراقيون الآن يعيشون صناعة التاريخ بطزاجته ، ويدفعون الثمن باهظا من دمائهم ومستقبلهم وأجيالهم وفرصهم الحضارية ، ولكن عندما تهدأ الزوبعة وينجلي المشهد فان البقاء سيكون للصنوبر الذي ينبت ويزهر في ثلاثين عاما وليس للخروع الذي ينبت ويزهر في ثلاثة أسابيع