حاتم عبد الواحد
إذا أغلقت الأفواه والأذان عن الحملة الكردية المنظمة لتشويه تاريخ العراق وثقافته وارثه الحضاري وتفكيك نسيجه الاجتماعي والعرقي ، فإننا لا نستبعد ظهور مذهب ديني- سياسي جديد اسمه " البرزانية " .
ولعل مسوغات هذا الاستنتاج لا تبدو ظاهرة على الأرض ولكن تنبيء بوجودها مؤشرات تتخذ أقنعة عدة للتدليل عليها .
لقد واجهت الدعوات الكردية بالانفصال عن العراق – رغم ضعف الموقف الرسمي المداهن – مصدرات تاريخية واركيولوجية وثقافية عرقلت المسار الذي رسمه الحزبيون الكرد في غياب قوة المركز في بغداد ، واهم مكون كردي تم التصدي له من قبل العراقيين هو ادعاء الكرد بان لغتهم تبيح لهم انشاء اقليمهم الخاص بوصفهم امة تشترك بهوية لغوية واحدة ، وان كانت هذه الهوية مشوهة المعالم .
معلوم ان اللغة – اي لغة – لا يمكنها الصمود لفترات طويلة بغياب مقدس يحافظ عليها ، وهذا الامر ينطبق على اللغة العربية و الارامية والعبرية والهندوسية والفارسية ولغات اخرى ايضا ، كما ان هذا المقدس يشد من قوس لغته كلما تعرضت الجماعة البشرية التي تدين له وبه لخطر الهرس او التذويب في الحاضن الاجتماعي الذي تشغل بعضا من هوامشه .
في العام 1907 خرج محمد البرزاني الذي هو جد مسعود حاملا خنجره بوجه المجموعات العرقية التي تتقاسم شمال العراق مع الاكراد وطنا لها ، ولكنه لم ينل من ثورته سوى السجن وطفل عاش يتيما من بعده اسمه مصطفى البرزاني .
100 عام مضت على الحادثة وعائلة البرزاني مستمرة في حكم رقاب الناس الخاضعين لاوامرها ، وربما لعبت رئاسة مصطفى البرزاني للطريقة النقشبندية في فترة من فترات الماضي دورا هائلا في اضفاء مسحة من القدسية على العائلة التي عضت كل الايادي التي اكلت منها .
ان المدقق لنمط الادارة الكردية اليوم يصيبه الخذلان في تحديد نوع الحكم الذي تهدف اليه الاحزاب التي تحاورت لوقت طويل بلغة الدم وتتحاور اليوم بلغة المصالح والهيمنة ، وكأن الاكراد قطيع يساق كيفما شاءت الارادة البرزانية المقدسة .
لقد استلم مصطفى البرزاني خنجره المعقوف من ابوه ليسلمه لابنه مسعود ، ثم يكون نيجرفان وريثا شرعيا لرئاسة حكومة البرزاني التي تتخذ من الفيدرالية شرنقة تحمي بها منهجها الشوفيني ريثما تنبت لها اجنحة لتطير.
هل نحن أمام إزاحة منظمة للقدرات الكردية التي لا تحمل في نهاية اسمها لقب البرزاني ؟؟
ربما لا تشعر عائلة مسعود بمقدار التهميش الاجتماعي الذي تؤسسه لباقي الأكراد بعد أن صادرت حناجرهم وحبالهم الصوتية لتتكلم نيابة عنهم ، ولعل أول إشارة لرفض هذا التهميش ما حدث في حلبجة عام 2005 ، عندما حطم فقراء الأكراد ومهمشوهم نصب ضحايا حلبجة ، ولقد كان للحدث أكثر من دلالة تؤكد رفض الانضواء تحت الوصاية العشائرية والمنطق القبلي في إدارة الحياة ، لقد اسكتت بنادق البيشمركة ثوار حلبجة بالرصاص .
والملاحظة الاشد وقعا في حياة الاكراد اليوم تتلخص في انتشار مظاهر الجوع والفاقة ، وان كانت الادبيات الاعلانية تصور شمال العراق فردوسا من الفراديس ، فالاف الاشخاص المشحونين من جمجمال والتون كوبري وطوزخورماتو وتخوم كركوك الاخر يتكدسون بشكل بدائي تحت سقوف من الصفيح تعوم على بحيرات من المياه الثقيلة بانتظار رضا كاكا مسعود عنهم عندما تحين ساعة الاستفتاء على كركوك ، ولتضع المفارقة عند حدودها القصوى عندما تقارن بين اكراد " حي الدولارات " في اربيل واكراد ملعب كركوك .
لقد باع عبد السلام عارف النفط العراقي بسعر 3 دولارات للبرميل الواحد في فترة حكمه ولكنه لم يترك كركوك او السليمانية او اربيل او دهوك بلا ماء او كهرباء ، واليوم تبيع عائلة البرزاني برميل النفط بمائة دولار ولكنها لا تستطيع توفير مياه شرب او مرافق صحية عامة لطلبة جامعة السليمانية ، فدخل الطلاب منذ الثلاثاء الماضي في اضراب عن الدوام لمدة اسبوع ، وعلى هذا المقياس البسيط يمكن لنا تصور عقلية الحكم بمقطعها المكبر تحت مجهر الرغبة الانفصالية .
ان الحاح المتحزبين الاكراد على ضرورة الاسراع بالاستفتاء على كركوك يثير الدهشة والاستغراب والريبة معا ، فإذا كانوا يتمسكون بعدم بطلان المادة 140 من الدستور ويؤكدون على استمرار فعاليتها فلماذا نراهم يزبدون ويرعدون ويهددون بالحرب على الطوائف الاخرى ؟ مع سكوت جبان من قبل الحكومة في بغداد ، فهل الفيدرالية التي يتشدق بها الاكراد تبيح لمقاطعة من المقاطعات او اقليم من الاقاليم اعلان الحرب على باقي مكونات الاتحاد الفدرالي ؟
واشد ما يوجع في الدعاوى التهديدية الكردية ان هناك من يؤيدها من المجموعات العرقية المهددة بهذه الحرب ، وربما كانت السياسة الاعلامية التي يتبعها زعماء الاحزاب الكردية في ترويج ادعاءاتهم قد نجحت في استدراج ذوي الشهية المفتوحة لدولارات العراقيين المسروقة من ثروتهم الوطنية ومستقبل ابنائهم ، فخلال الشهر الماضي اتبعت بعض المواقع الاخبارية العراقية سياسة جديدة تتلخص بحجب المواد الاخبارية التي تكشف وجه المتحزبين الاكراد ، بعدما كانت نفس تلك المواقع تنشر مثل هذه الاخبار والدراسات والآراء بلا تحفظ ، وربما سنشم قريبا فضائح كوبونات النفط الكردية ، بعد ان تم استنساخها من طريقة صدام حسين في توزيع ثروة العراق على الكتاب العرب وغير العرب ممن يجيدون اخفاء العيوب بمكياج الكلمات المتملقة .
لا اكشف سرا لو قلت ان بيانات بعض الجهات الحزبية الكردية يكتبها ويدبجها مثقفون عراقيون من غير الاكراد ، وعندما سمعت يوم امس خبر شراء احد الروائيين العراقيين لشقة في عمان الغربية لم استغرب الخبر رغم علمي بان فن الرواية لم يعد يدر على كاتبه مبالغ تفي بغرض مثل هذا، حتى لو كانت زوجة الروائي استاذة في جامعة اردنية .
ان احتمالات انحدار المجتمع الكردي نحو هاوية اجتماعية واردة تماما بعد ان صادرت قبيلتهم المقدسة حقوقهم في التعبير عما يفكرون ويعتقدون به ، وليس مستبعدا ان يعند زعماء الكرد الى استنباط مذهب ديني او سياسي او خليطا من الاثنين لكي يديموا دعاواهم اذا ما افشل العراقيون مخططاتهم الانفصالية المرسومة بالدم والرصاص ، وربما كانت رحلاتهم المكوكية الى النجف كلما شعروا بالنكوص في مقاصدهم مؤشرا واضحا لاسباغ صفة القداسة على بنادقهم التي من حقها ان تجاهد من لا يؤمنون .
كتبها حاتم عبد الواحد في 05:55 مساءً ::
الاسم: حاتم عبد الواحد
