حاتم عبد الواحد
هل مر على أهل العراق حين من الدهر تخاصموا فيه على أحقية احدهم بمدينة أو قصبة أو قرية دون غيره ؟
أقدم المدونات تجيب بالنفي ، واحدث التنقيبات الأثرية تقول إن العراقيين كانوا يتشاركون في الدفاع عن أسوار مدنهم ومعابدهم وطرق مواصلاتهم وحقولهم بالتكافل الوطني وليس بالائتلاف الانتمائي لشاماناتهم الذين كانوا بداية اعتقاد البشر بالإله .
لقد حارب البابليون موجات الجراد الفارسي في اهوار العمارة والحويزة منذ 4000 سنة ، كما حارب الآشوريون ملوك عيلام الطامعين ببلاد النهرين ، وكانت مقاتلو بابل وآشور رغم اختلاف عقائدهم السياسية متفقين على عقيدتهم الوطنية عندما تتعرض بلادهم للعدوان من قبل الغرباء.
ان العراق المشهور في الانسكلوبيديات ببلاد مابين النهرين جدير بتسمية أخرى لا تقل عطاء عن عطاء دجلة والفرات والزابين ، انه بلاد الشهداء الذين دافعوا عن مسلاتهم وثيرانهم المجنحة وقيثاراتهم بالدم الغالي ، ولولا انتهازية السياسة وقصر نظر الحكام لوجدنا دساتير الدولة العراقية الحديثة تنص على أن لا يتعارض أي نص جديد أو أي شطب أو تعديل في الدستور مع كرامة شهداء العراق وحقوقهم ، ولان العراق قد عاش ثنائية غريبة تأرجحت بين الطغاة والغزاة فإننا نرى اليوم الدستور العراقي الذي ما زال مؤقتا قد كتبته أصابع غريبة لا تشم في الأرض العراقية إلا رائحة النفط التي أزاحت رائحة الدم ، وأصبح مفهوم الشهادة لدى السياسيين مقرونا بالغباء والغفلة .
قرأت البارحة مباركة طارق الهاشمي لقبول مسعود البرزاني برفع العلم العراقي في اربيل ، فتدفقت في راسي مشاهد الصواريخ الأمريكية وقاذفات القنابل تدك طهران ، وعزز المشهد تصريح لمحمود عثمان يقول فيه إن الأحزاب الكردية تفكر بفك شراكتها السياسية مع قائمة الائتلاف الشيعي الذي يقوده الحكيم ، ويعلل محمود عثمان التطور بين الطرفين بمبدأ الفائدة فيضيف إن 52 دولة عربية تتبع المذهب السني وإيران لوحدها هي التي تتبع المذهب الشيعي ومن الملائم للأكراد السنة أن يتفقوا مع الأحزاب السنية العراقية المسنودة من قبل الدول الاثنتين والخمسين .
مشهد الحرائق الآن يتصاعد في راسي وأنا أرى على الشاشة البوارج الأمريكية الراسية في مضيق هرمز تدك المواقع الإيرانية بكل أصنافها ومواقعها .
إذن لابد أن يرفع مسعود علم العراق في اربيل التي سوف تستضيف البرلمانات العربية في الشهر المقبل ، ساعة الصفر تقترب في معصم جورج بوش وان كان المرشد الأعمى للثورة الإيرانية مقرونة بظهور المهدي .
ولابد لمسعود أن يغازل الأحزاب غير الشيعية لان مرتكزهم الإيراني على وشك الانهيار ، ومما يزيد في صحة الفرضية ، إن كل هذا حدث أثناء اجتماع كوندليزا رايس إلى مسعود والطالباني قبل أيام عدة ، وفي ذروة السعار الكردي بالاستفتاء على كركوك دون الرجوع إلى النص القانوني الذي أباح هذا الاستفتاء ، ودون تسديد فواتير العراقيين الطويلة التي ما زالت بذمة مسعود والطالباني – إن كنت لهم ذمة فعلا ، فخلال ستينات وسبعينات القرن الماضي سقط على ارض العراق الشمالية وسفوح جباله وأزهار وديانه آلاف الشهداء العراقيين من كل الأعراق والأديان والمذاهب ، ليس دفاعا عن عبد الكريم قاسم ولا دفاعا عن عبد السلام عارف أو أخيه عبد الرحمن ، وليس دفاعا عن البكر وصدام حسين أيضا ، إنما دفاعا عن العراق الموحد ، وكان العدو الذي يقاتلونه عصابات عشائرية مسلحة بدونيتها أولا وبنذالتها ثانيا وبأسلحة الشاه وإسرائيل ثالثا ، فمصطفى البرزاني كان أشبه بنخاس يعرض المواطنين الأكراد في المزاد السياسي ، وطبعا يفوز بالصفقة من يدفع أكثر ، ومصطفى البرزاني عبر عن هذا الوضع مرة عندما قال في مذكراته " أن الأكراد أشبه بالشحاذ الأعمى الذي كان يقف على باب جامع السليمانية ولا يعرف ماذا يضع الناس في يده " ، وسوق النخاسة الكردي استمر في الفترة التي أعقبت الحكم الذاتي الذي لن ولم يجد الأكراد في كل ما سيمر عليهم من دهر مثيلا لهم يحفظ خصوصيتهم وحقوقهم التي عجزت كل الخطب والبنادق الحزبية لجلال ومسعود عن تقديم بديل أفضل منه .
عندما اندلعت حرب العراق وإيران وجد الأكراد المتحزبون أنفسهم في وضع يسمح بالتمرد والعصيان والمساومة مرة أخرى ، فعملوا على التطوع كمرشدين للقوات الإيرانية نحو المدن الشمالية للعراق ، وبعد حملات تطهير واسعة ، ولانشغال الجيش العراقي بجبهة تمتد لأكثر من ألف كيلومتر ، وجد المستشارون الأكراد لدى صدام حسين إن فرصتهم تقف على أبوابهم وما عليهم إلا اقتراح لإنشاء مليشيات كردية موالية لبغداد ضد مليشيات البرزاني والطالباني ، ولكن هذا الولاء الذي تميزت به ألوية الفرسان أو ألوية " الجحوش " حسب الوصف الكردي ، لم يكن ولاء وطنيا إنما كان ولاء مدفوع الثمن ، فالمستشارون الزيباريون والطالبانيون والبرزانيون أيضا كانوا يغرفون من الخزينة العراقية في كل شهر مليارات الدنانير كرواتب لمنتسبي ألويتهم ، رغم أن المنخرطين في هذه الألوية ليس لهم من عمل يقومون به على ارض الواقع ، وإنما كان الجيش العراقي هو سيد الموقف ، والمال الذي تدفعه الدولة للجحوش كان أشبه برشوة لضمان عدم تزعزع ولائهم للعراق ، فمن التجربة الطويلة في التعامل الحكومي مع الملف الكردي وجدت الدولة إن الكردي المتحزب مستعد لبيع نفسه لمن يدفع أكثر .
لقد قاتل أبناء العراق 8 سنوات متواصلة من اجل رد موجات الجراد الإيراني عن حقول العراق ، وفقد الوطن في تلك السنوات مئات الآلاف من شبابه كي يبقى العراق موحدا ، بينما كانت المليشيات الكردية المتمردة والمدجنة بالمال جالسة على التل بانتظار الاصطفاف مع المنتصر ، سقط شهداء من العرب والتركمان والمسيحيين والصابئة والايزيديين دفاعا عن السليمانية واربيل ودهوك وكركوك وخانقين ومندلي وبقية ثغور العراق الأخرى ، فهل كان هؤلاء الشهداء مغفلين بنظر مشايخ الأكراد ومتحزبيهم ؟؟
أين كان هؤلاء الذين يمسكون برقاب الناس في مدن الشمال العراقي الآن عندما سقط شهداء العراق دفاعا عن ارض وطنهم ؟؟ وهل المادة 140 التي حشرت في الدستور مثل لغم قابل للتفجير عند الرغبة تستطيع الصمود أمام الدم الزكي الذي نزفه العراقيون .
ماذا يبقى من مفهوم " المدن المتنازع عليها الوارد في المادة 140 " لو عدنا إلى حكاية الشهيد الطيار عبد الله لعيبي السوداني الذي قبل بالموت فوق سماء السليمانية مقابل أن لا تغير الطائرات الإيرانية عليها فجعل من طائرته سلاحا يفجر الطائرات المغيرة ، ونفس الشيء يقال عن الشهيد صدام لازم اللامي الذي دفع حياته ثمنا رخيصا مقابل رفع علم العراق على قمة جبل نوسود ؟
إن المادة 140 تخص العراق الكبير وليس مدينة كركوك لوحدها وهذا التغييب الكردي المقصود لعمومية هذه المادة إنما يشكل سابقة خطيرة تتيح لمن يشاء أن يقتطع ما يشاء في غياب الحزم والأمانة التي يجب أن تميز حكومة تدعي النهج الديمقراطي ، ولا تستطيع مع كل كورالها الإعلامي وأفواجها المسلحة أن تمنع استخدام تعبير " كردستان الجنوبية " الذي بدأ ينتشر بالمال المسروق من جيب العراقيين.
إن دم الشهداء اصدق وثيقة على وحدة العراق شعبا وأرضا ، وسطور الدستور مكتوبة بأصابع مبتورة وعيون عمياء لا تميز بين احمرار دم الشهداء وسواد دخان الحرائق .
كتبها حاتم عبد الواحد في 05:00 مساءً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: حاتم عبد الواحد
