freehuman

مدونة تهتم بحرية الكلمة وقداستها بعيدا عن صفقات وصفاقات السماسرة وثقافة البنزين التي حولت جسدي يوم 9/ 7 / 2003 الى كتاب خالد لا تجيد قراءته عيون مثقفي المسدسات والمثاقب الكهربائية.

الثلاثاء,شباط 12, 2008


 

 حاتم عبد الواحد

 

إذا صدقت الأخبار التي نقلت عن السيستاني قوله " كركوك عمامة العراق وعمامتي ولن اسمح بسقوطها " فانتظروا الحرب الأهلية في كركوك ، ولكي لا يكون كلامنا هذا مجرد خبط عشواء أو تكهنات لا أساس لها من العقل فدعونا نناقش هذه المقولة السيستانية بروية وصبر ونحكم عليها بحكم العقل وليس بحكم العواطف والتمنيات .

كركوك ذات التشكيل العرقي والديني المتنوع لم تكن في يوم من الأيام ذات صبغة سائدة على باقي الصبغات - رغم غزارة الرموز التركمانية التي تعايشت طوال قرون مع الرموز الأخرى التي تشكل موزائيك كركوك -  بسلام ومودة وتسامح ، ومقولة السيستاني إنما تجعل من كركوك مقدسا شيعيا لا يجوز التنازل عنه ، فحسب الوعظ الملائي المرجعي لا يجوز لأي من أتباع آل البيت أن يتقاعس في الدفاع عن رمز من رموز اللوبي الحسيني ، والمؤكد أن ملايين الأتباع الغائبين عن الوعي مستعدين للتضحية برؤوسهم مقابل أن لا تميل عمامة السيستاني ، وعليه فان تصريح السيستاني – إن صدق – هو جذوة أخرى لقدح نار الحرب الأهلية بعد أن هدأت نار تفجير قبتي سامراء التي أريد منها أن تكون قطب الرحى في أي صراع عراقي عراقي ، والخطورة الأخرى التي تكمن في تصريح السيستاني انه جعل نفسه بمقام العراق لان كركوك عمامة العراق وعمامتي كما يقول ، أي انه جعل من نفسه معادلا موضوعيا وتعويضيا للعراق ولا ادري من سمح له بذلك ومن أيده في هذه الإزاحة نحو الهاوية ، والمشكلة الأخرى في التصريح ذاته إن العراق أصبح بنظر السيستاني مجرد معمم من المعممين ، والله يشهد والتاريخ والكربون المشع أن العراق لم يلبس العمامة يوما بل وضع التيجان فوق رأسه ، وكللت منكبيه جبال وغابات ومسلات ونجوم تحالفت عمائم الشمال والجنوب على إسقاطها من العلم العراقي ، كي لا يكون هناك متسام على نجم آل البيت ولا يكون هناك أعلى من رايتهم السوداء .

يراودني شعور بالاحتلال البدو الأبدي وأنا أمحص تاريخ العراق منذ الغزو الإسلامي له ، و تتوضح صورة هذا الاحتلال البدوي في صورة الدولة العراقية التي نشأت عام 1921 وما بعده ، فعلم العراق دائما كان ذا رمز يدل على الإله القمري الذي هو اله أهل الوبر وليس اله أهل المدر الذين عبدوا الإله الشمسي لأنه مقرون بنضج مزارعهم وحقولهم وبالتالي مقرون باستمرار حياتهم ، فالهلال كان رمزا لإله الصحراء الذي لم يفارق علم العراق إلا لتحتل النجوم مكانه ، كما أن الشيء المحير الآخر هو عدم استعمال القيثارة العراقية السومرية في أي من الأناشيد الوطنية العراقية التي عزفت على ارض شنعار على الرغم من وجود مدونات كاملة وتفاصيل وافية تشرح كيفية صناعة هذه القيثارة ، وأظن أن كل هذه الإزاحات ما كانت لتستقر كل هذه المدة لولا انصياع العقل الباطن لتعاليم المقدس الذي لم يترك مفصلا من مفاصل حياة العراقيين إلا وتدخل به وحوره لصالح هيمنة الخرافة على العقل الحضاري.

وربما يفوت السيستاني أن دعواه هذه باطلة رغم تقنعها بالحق ، وانه يؤسس لسيادة الثيران المعممة على ارض الحضارة بعد أن كانت تحت نفوذ الثيران المجنحة .

بجناح نسر وجلد سمكة وجسم ثور ورأس إنسان كان رمز  الحكومة في العراق ليدلل على القوة والحكمة والسلاسة والسمو ، كما أن رمز الحكومة العراقية كان يمتلك خمسة أرجل وليس أربعا ليدلل على الزمن من خلال الحركة ، ولكن الثيران المعممة هي التي تكتسح المدن العراقية الآن بدل الثيران المجنحة ، فحوزات قم لوحدها تشرف على تلقين 50 ألف ثور معمم كيفية النطح ومهاجمة كل شيء يعترض إشاعة اللطم كترنيمة سائدة بدل إيقاعات الحياة الخالدة.

من حقنا أن نسال السيستاني ومن لف لفه عمن خولهم بإلباس العراق عمامة بعد أن سرقوا تيجانه ؟؟

إن ستة من أصل الأئمة المعصومين عند الشيعة الأمامية والبالغ عددهم اثني عشر إماما مدفونون في العراق ، إضافة إلى سابع دخل في الثقب الأسود الذي يسمى في مؤلفات الاثني عشرية " الغيبة الكبرى " دون إقناع عقلي يجعلنا نثق بحقيقة هذا الغياب ودوافعه ، فالطفل الهارب من مطارديه يستطيع الآن إنهاء لعبة الاختفاء الطويل التي مارسها علينا ، من اجل الحفاظ على حياته وترسيخ دين أجداده وليس دين الله ، لان دين الله لا يمت بصلة لدين أجداده ،وإذا كان دهاقنة اللوبي الحسيني يروجون لعدالة المعارك التي خاضها علي بن أبي طالب والحسين ابنه مع الأمويين الذين عاثوا بالدين فسادا وامتيازا فجعلوه إسلاما سفيانيا وليس محمديا واستثمروا نصوصه لصالحهم ، فان هؤلاء المروجون لا يستطيعون إقناعنا بالطريقة التي دفن بها علي في العراق في عصر البعير والحصان ، فالرجل مات في جزيرة العرب فلماذا يدفن في العراق ؟؟ ما السر وراء نقل جثمانه إلى النجف ؟؟ لم يجبنا المؤرخون بمفيد من القول ، ولم يجبنا الروزخونات عن السر وراء موت كل من موسى الكاظم ومحمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري في العراق ، وهم المولدون كلهم في يثرب أو قريبا منها ، هل جاء هؤلاء من اجل إعلاء دين جدهم ؟

اشك أنهم كانوا على هذا المنهج ، لأنهم عاشوا وتنعموا في قصور بني العباس الذين لا يراهم أشياع علي بن أبي طالب إلا ظالمين وسارقين للخلافة وغاصبين لها من الطالبين ، فكيف إذن سنفسر قدوم هؤلاء الأربعة من جزيرة العرب إلى العراق والموت فيه ؟

انه السلطان يا سادة ، فيثرب لم تكن مدينة عصرية رغم أنها مركز الخلافة ، ولكن بغداد آنذاك كانت عاصمة الدنيا وربما كانت بمثابة نيويورك أو لندن لعالم اليوم ، والأربعة المعصومون عن الشهوة رأوا من العجز أن يظلوا في يثرب وأموال الدنيا وجواريها وملوكها تتدفق على بغداد ، فلبوا دعوات سلاطين بني العباس الذين ينظرون لهم كأبناء عم ، وعاش هؤلاء الأربعة عيشة مرفهة ولم يموتوا إلا حين نازعوا السلطان العباسي على الملك والجاه والدولة ، أي أنهم قايضوا كل شيء بزينة الحياة الدنيا ، ولو كانوا اتعظوا لارتدع اللاحق بالسابق وهو يراه يموت اغتيالا .

إن السيستاني ليس ألا من مؤسسي اللوبي الحسيني ، ويهمه مثل صاحب أي شركة أن يحقق أرباحا عالية بخسائر قليلة ، ودعواه التي قال فيها أن كركوك عمامة العراق إنما هي دعوة لاستبدال ثيران نينوى المجنحة بثيران إيران المعممة ، وكان الأجدر به أن يقول كركوك تاج العراق وليس عمامته لان العراق هو الذي رأى وليس هو الذي لطم .