freehuman

مدونة تهتم بحرية الكلمة وقداستها بعيدا عن صفقات وصفاقات السماسرة وثقافة البنزين التي حولت جسدي يوم 9/ 7 / 2003 الى كتاب خالد لا تجيد قراءته عيون مثقفي المسدسات والمثاقب الكهربائية.

الثلاثاء,شباط 19, 2008


 

 حاتم عبد الواحد

 

كم هو مضحك ومثير للشفقة والاستغراب لو قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن تنقل عاصمتها من واشنطن إلى بغداد أو كابول ، وعلى خلفية قرار مثل هذا قد يكتب الكتبة والمتفلسفون والمتحذلقون مليارات الحجج والتعاليل والمحاسن والمساوئ التي سترافق هذا الانتقال ، وستؤلف المجلدات والنظريات وتنشغل الفضائيات والانترنيت بتحليل الأسباب والدواعي التي حدت بدولة مهيمنة وذات سطوة ومركز قيادي لنقل عاصمتها إلى مدينة محتلة لا تمت لها بصلة في الجغرافيا أو التاريخ أو الثقافة والتقاليد الاجتماعية.

كل هذا سيحصل وأكثر ربما ، ولكن فلاسفتنا ووعاظنا التاريخيين الشغوفين براحة البال ، لم يعلل احد منهم السبب الذي دعا لنقل مركز الخلافة الإسلامية من يثرب إلى الكوفة إبان ولاية علي بن أبي طالب ، ولم يقدم لنا الأولون سببا مقنعا من حيث الاعتبارات السياسية أو الأيدلوجية أو الاقتصادية التي دعت لهذا التصرف الذي لم يلجأ إليه احد قبل علي ولا بعده ، ولماذا نقل مركز الخلافة إلى الكوفة تحديدا ولم ينقله إلى بقعة أخرى من بقاع الإمبراطورية الإسلامية مثل الشام أو مصر؟.

لقد قلت في مقال سابق إن علي بن أبي طالب مات في المدينة ودفن في النجف ، ولكن ببغاوات الحوزة وحفظة الكتب قالوا إنني جاهل وغبي أيضا ، لأنني لم اعرف المكان الذي طعن فيه ابن ملجم هامة أبي تراب ، وقد فات تلك الببغاوات أن تقرأ التاريخ بأحداثه المادية وليس بحروفه الجوفاء ، فعلي بن أبي طالب مات ليلة مقتل عثمان ولم يبق منه إلا جثة متحركة ، وسواء لذعه سيف ابن ملجم في الكوفة أو في الشام أو في الحبشة فان الرجل كان يواري موته بعد أن ضاقت به المدينة اثر مقتل عثمان ، وبعد أن أصبح يسمع الاتهامات غمزا أو إشهارا وهي تشير إلى مسؤوليته ، ناهيك عن أن حراس بيت عثمان ليلة مقتله كانا ولدي علي بن أبي طالب الحسن والحسين  ، وليس أدل على شعوره بالإحباط والخيبة واليأس من جملته التي قال فيها " فزت ورب الكعبة "  والتي نقلتها لنا كتب المدونين عندما شعر بالنصل في هامته معبرا عن يأسه العميق وإخفاقه ، رغم انه اختار مكانا آمنا بين مشايعيه كما كان يظن عندما ترك جزيرة العرب .

لقد طلب عمرو بن العاص أن يجتمع بعمار بن ياسر أبان معركة صفين ، وبعد مشاورات ومفاوضات طويلة قدم عمار إلى عمرو واجتمعا في الفسحة التي تفصل بين الجيشين ، فسال عمرو عمارا : لماذا قتلتم عثمان ؟ فأجاب عمار بحدة : كنت مع من قتله ، واليوم أنا معهم ، انه أراد أن يغير ديننا فقتلناه .

 وإذا صحت هذه الرواية التي أوردها السيد عبد الله السبتي في كتابه " عمار بن ياسر " فان جزءا مهما وخطيرا من تاريخ المليشيات الإسلامية ، سوف ينكشف أمامنا ويسلط أضواءه على ما يحصل في المدن والقرى العراقية من قتل وتصفيات وحرائق باسم الخلافة وحق آل البيت وأتباعهم في قتل أعداء الله .

 لا احسب أن الميليشيات الإسلامية ظهرت للوجود بحادثة مقتل عثمان أو معركة الجمل وإنما ظهرت في وقت اسبق من هاتين الواقعتين ، فعندما حاول كعب بن اشرف ، العربي الأب واليهودي الخؤولة أن يخوض بقصائده في مجادلة الإسلام دحرجت سيوف خير امة أخرجت للناس رأسه ، وفعلت الأمر نفسه بزميله الآخر أبي رافع سلام  ، بل أن مرضعة مثل عصماء بنت ثابت  قالت أبياتا من الشعر تعرض بها بمحمد لم تسلم من القتل ، والشاعر أبو عفك اليهودي لقي المصير ذاته ، أما أم قرفة فإنها ماتت بطريقة ابتكرها زيد ربيب محمد ، حيث ربط رجليها إلى جملين يسيران في اتجاهين متعاكسين فانفلقت نصفين ،، وطالت سيوف من أرسله الله رحمة للعالمين رقبة ابن شيبينة التاجر الذي لم يقل حرفا من الشعر يسب فيه أو يشتم أحدا .

واحسب كذلك أن تاريخ العراق لم يدون وقائع تشير إلى اختلاق الأكاذيب التي يلجأ إليها الطامعون في مقصد دنيوي أو خلود فردوسي قبل دخول جحافل البدو المسلمين إلى مرابع أكد وبابل وآشور، ولم تشر الرقم الطينية أو المنحوتات الأثرية على وقائع من هذا الطراز الذي لا يكترث بلي عنق الحقيقة وإشاعة الخرافة بشتى الطرق والوسائل من اجل ديمومة ملك الملوك وسطوتهم .

فالعقيدة الإسلامية التي تضم بالضرورة بين دفتيها تاريخ ومآثر أهل البيت ،قد نشأت بين كذابين اثنين ولا بد لعقيدة تنشأ على إلصاق الكذب أو الجنون بمن يخالفها أن تؤسس لثقافة تجيز ابتكار قاموس قدحي لاذع من الشتائم والسباب حين تتعرض رموز تلك العقيدة للمناقشة أو التمحيص ، فأول هذين الكذابين مسيلمة كما تسميه كتب الرواة قدحا بعد أن صغرته من الاسم الحقيقي مسلمة بن حبيب ، وثانيهم جعفر بن علي الهادي الملقب بالكذاب لأنه أنكر وجود صبي غائب من صلب أخيه  الحسن بن علي الهادي ، وقد أضفى عليه مؤرخو السيرة المقدسة صفة " كذاب " على وزن فعال وهي صفة من صفات المبالغة ، وأعطوا لجعفر بن محمد الباقر لقب الصادق وليس الصديق ، للتدليل على أن في آل البيت كذابين وليس للتدليل على أن في آل البيت صديقين .

وبين هذين الكذابين الاثنين نستطيع أن نعد مئات الشواهد التي تجعل من أصل مصطلح أهل البيت - الذي يعيث من يدعون أنهم من أتباعه  في ارض العراق فسادا وقتلا واختلاسا وتخريبا-  بقعة مظلمة يجب تسليط الضوء عليها بعد أن غطاها غبار القداسة والإلوهية قرونا ، ففي حروب الزكاة وليس حروب الردة كما تصطلح كتب التاريخ على تسميتها قتل وحشي مسلمة بن حبيب الذي كان يلقب برحمن اليمامة لأنه قال إنني استطيع أن أقول كما يقول محمد ، فقتل على سجعه الذي تحدى به النص القرآني بأقوال مثل  " لقد أنعم الله على الحبلى ، أخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق وحشى " ، والغريب أن المعركة التي قتل فيها مسلمة سميت حديقة الموت ، وان الإنسان ليعجب من عقيدة الرسول إذ يتخذ من وحشي قاتل الحمزة بن عبد المطلب الذي سند الدعوة في ضعفها وحماها من جبابرة قريش ليكون مقاتلا مدافعا عن الإسلام فيقتل به مسلمة الحنفي ويهدم بيده المسجد الضرار الذي ورد ذكره بالقران أيضا كما ورد ذكر مسلمة .

 وإذا تابعنا قصة النضر بن الحارث فأننا سنعجب من عدم قبول فديته يوم بدر ، فقتله علي بن أبي طالب ليس حبا بالإسلام وإنما ليقطع دابر كل من تسول له نفسه محاججة نصوص وآيات القرآن ، فالنضر بن الحارث كان يقول جهارا " سأنزل مثل ما انزل الله " ، وإذا عرجنا على عبد الله بن أبي السرح فإننا سنجد رجلا  من الطبقة الارستقراطية المتعلمة في قريش اختير مع آخرين ليكتب الوحي عن الرسول ، فاستدعاه النبي ليمليه بضعة آيات ، فلما و صل إلى : " و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين .... إلى..... ثم أنشأناه خلقا آخر...." استساغ عبد الله الآية و قال" تبارك الله  أحسن الخالقين" ، فقال الرسول ، هكذا أنزلت علي ، فقال عبدا لله : لئن كان محمد صادقا فقد أوحي إلي كما أوحي أليه ، و لئن كان كاذبا ، قلت كما قال.

وإذا قلبنا قصة زواج الرسول من صفية بنت حيي اليهودية من بني النضير فإننا سنجد محمدا قد أجلى قومها عن يثرب فساروا إلى خيبر ، وقُتل أبوها مع من قُتل مِن بني قريظة. وتزوجها قبل إسلامها سلام بن مشكم ، فارس قومها ومن كبار شعرائهم ، ثم تزوّجها كنانة بن أبي الحقيق ، وقتل كنانة يوم خيبر ، وأُخذت هي مع الأسرى ، فاتخذها محمد زوجة له بعد أن قتل أباها وزوجها ، والمضحك في الروايات الإسلامية قول الرواة بعد أن يسردوا حادثة القتل والسبي اللذين لحقا بقومها وأهلها أنها أسلمت وحسن إسلامها ؟؟

يا للعجب ، يقتل اعز ناسها ويتزوجها في نفس ليلة مقتلهم ويحسن إسلامها ، ولا تعرف ما الحكمة من الزواج بها في نفس الليلة دون إمساكها للعدة .

 

وإذا عرجنا على قصص الحلاج ، والجعد بن درهم الذي ضحى به خالد بن عبد الله القسري صبيحة عيد الأضحى كما يضحي الناس بالماشية لان جعد قال إن الله لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا ، وابن المقفع وابن الراوندي وغيرهم كثير، فإننا سنجد السيف الإسلامي ملوثا بدمائهم لأنهم ناقشوا بالعقل ما ورد بالنقل ، وعلى هذه القاعدة نكون قادرين على استنتاج خلاصة مؤداها أن التاريخ الذي تشحننا به كتب التاريخ هو تاريخ كتبه من يوافق رأي السلطان وليس من يخالفه ، بدليل إن من أراد عرض وجهة نظره مما يدور حوله من نظم وفلسفة وعقائد قد تم ذبحهم بلا رحمة ، والثابت أن رأي السلطان يسعى إلى إدامة الملك والجاه والثروة.

لقد صدر في العراق بعد الحرب مع إيران قانونا سمي بقانون الأحزاب ، ووزعت وزارة الداخلية حينها مسودة منه على الصحف العراقية من اجل مناقشته ، وكانت من أولى قواعد هذا القانون أن يكون من يروم تأسيس حزب مؤمنا بمبادئ ثورة 17 تموز ، لم تكن هذه نكتة وإنما بند منصوص عليه في ذلك القانون ، ولأنني لم اقرأ أيا من كتب الغيبة الكبرى أو الصغرى فقد كنت من وجهة نظر ببغاوات الحوزة اهرف بما لا اعرف ، أو مثل من لا يؤمن بمبادئ ثورة 17 تموز ويريد من وزارة داخلية صدام حسين تأسيس حزب ، مع قناعتي بأنني لو كنت قرأت تلك الكتب وآمنت بخرافاتها لما استطعت أن اكتب كلمة واحدة مما اكتبه ، لأنني سأكون محنطا خلف زجاج مرجعية آل البيت التي ترى إن المهدي مثل عيسى والعزير والخضر، أطال الله بعمره والله قادر على كل شيء ، حتى وان كان القرآن لا ينص على إطالة عمر المهدي و ينص على إطالة  أعمار الآخرين ، فالحوزة أصدرت أمرا بإطالة عمر من تراه حجر الزاوية في كل تجارة ومغنم ، ومن يخالف هذا القرار عليه أن يقول " يا دريلات خذيني " .

 

إن تاريخ الحوزة العلمية هو تاريخ أسسه عراقيون وقاده عرب قبل انتقال كرسيها من بغداد والحلة إلى النجف واستيلاء العنصر الفارسي على مقاديرها ، وكان من أسمى أهداف الحوزة هو مؤازرة المجتمع في مواجهة الطغيان السياسي ، ولكن حوزة اليوم تحولت إلى مركز لصناعة القرار السياسي بعد إن كانت من كارهيه، وأصبح ببغاواتها قادة الفكر المتخلف والمتقوقع في مآربه الثأرية وطموحاته السلطوية المشحونة بخرافات الدين، وإذا القينا الضوء على تاريخ قرن كامل من تاريخ حوزة النجف فإننا سنلاحظ سيطرة العنصر الإيراني على رأسها ، خلال المائة سنة الماضية ، مع عدم اعتراض من قبل العراقيين على آيات الله المنحدرين من أصول باكستانية أو أفغانية ، واعتراض شديد على الآيات المنحدرين من السلالة الفارسية بسبب ذاكرة جمعية وطنية تعود لحروب وصراعات استمرت لستة آلاف عام بين أحفاد حمورابي وأحفاد كورش ، فما الذي تم شحنه من معتقدات دخيلة على أصل المعتقد الوطني العراقي أثناء قيادة هؤلاء الآيات لمقادير الحوزة التي نشأت على أنها علمية ؟

 وكيف سيكون تأثير هذه الإضافات؟ ، فالحوزة التي كانت بمثابة مؤسسة اجتماعية تساعد على تنوير المجتمع بدروسها العلمية ، أصبحت اليوم وسيلة من وسائل تفجير المجتمع بفتاواها السياسية ومصالحها الدخيلة التي وفدت من خارج تراب البلاد ، ولان العراق أيها السادة اكبر من التاريخ فمن المخجل أن نبقى متشبثين بروايات وأحاديث وقصص برهنت الوقائع أنها ذات غاية نفعية وأنها مفتراة ، ومن المؤسف أن نرى الحوزات قد وضعت بيضها في بلدان لا تقر بدور الدين في صناعة السياسة ، فحتى في هذه البلدان أصبح دور الحوزة محصورا في خلق الكراهية والبغضاء والتلقين المشين ، الذي يروج لإزاحة الآخر الذي لا يؤمن بولاية أهل البيت .

لقد حصدت السنوات الخمس الماضية من رجال العراق ألف علي وألف حسين وفق قناعة الشيعة بهذين الرجلين ، وأحصت الجمعيات الإنسانية ما يقرب من 500 ألف عراقي ماتوا بلا ذنب سوى أنهم يحبون بلادهم ، ولكن أتباع أهل البيت الأشاوس لم يكلفوا أنفسهم حتى عناء البحث عمن قتل هؤلاء الأبرياء ، وبقيت شهادات مقتلهم مثل شهادة مقتل  سعد بن عبادة الذي تقول عنه مصادر الإسلام بان الجن قتلت سعدا لأنه بال واقفا.

اشطبوا من بطاقاتنا الوطنية حقل الديانة ومكان الولادة واللقب ، فسماء العراق واطئة اليوم لان هاماتنا محنية ، وليست هامتنا محنية لان السماء في العراق واطئة .