ربما تكون الوحدة هي أمر فواجع الموت ، وأقسى عذاباته التي سوف يقاسيها ، فكلنا نولد ونموت ولنا شواهد على ولاداتنا وميتاتنا ، إلا الموت يولد وحيدا ويموت وحيدا لا يأبه احد بحضوره أو غيابه .
اذكر أيامي في إعدادية الكرخ العتيدة ، وأساتذتي المبجلين عندما كانوا يقولون لي أن قصائدك لا تقل جودة وحداثة عن قصائد الشعراء الذين سادوا رسميا في نهايات سبعينيات القرن الماضي ، كانت صفوف تلك الإعدادية مشاغل حقيقية للإبداع في المجالات كافة ، برع من بين طلابها موسيقيون ورسامون وأطباء ورجال سياسة وشعراء لهم ذكرهم في تاريخ الإبداع الإنساني ، وتوزع كثيرون غير اؤلئك على المعاهد العالمية أساتذة عندما سافروا للدراسة خارج العراق، ولقد كنت احد اؤلئك الذين يستنشقون أريج أزهار الرغبة والتطلع ، ولكن أمنياتي لم تجد إلا عكازا هرما تنتصب عليه بعد أن حكم عليها فقر عائلتي بالعوق .
تخرجت في المرحلة الإعدادية بمعدل جيد جدا وفي الفرع العلمي ، وكنت مؤهلا لدخول جميع الكليات عدا كليات الطب ولكن القدر ساقني إلى معسكر المحاويل جنديا في ثاني أيام عام 1979، لا اعرف إلا اسم امرأة واحدة مقابل أسماء 100 شاعر موزعين على خارطة الزمان والمكان ، خائفا اتصل بالعالم ، وخجولا أدافع عن معتقداتي الغضة ، التي طالما خدشت أظافر الوحوش الرمامة براءتها ،وللحقيقة أقول أنني ما أزال أعاني من تلك التشوهات التي ألحقتها بي افلاطونيتي .
كانت مقهى ابو القاسم المضطجعة على الكتف الكرخي من نهر دجلة بمحاذاة جسر الشهداء هي المؤئل اليومي للكثير ممن أشبههم ، الشاعر محمد بديوي ، القاص مهند الياس ، الشاعر لؤي حقي ، الفيلسوف العراقي المقيم في لندن الآن عماد الدين مهدي الجبوري ،الشاعر راسم كمال العاني ، نلتقي هناك بعد أن نهرب من درس الأستاذ طراد الكبيسي الذي كان يدرسنا اللغة العربية في إعدادية الكرخ، لنتدارس بحرا شعريا أو نناقش مقولة من تهافت الفلاسفة أو تهافت التهافت ، وعندما تشارف الجلسة على نهايتها نغادر المقهى لنكمل ما بدأناه في بيت احدنا حتى الصباح أحيانا .
ولكن الحياة أخذت منحى آخر بعد شحني إلى معسكر المحاويل ، فالكسالى والمصابون بالبرص الفكري يدرسون في الجامعات وأنا صاحب المعدل الأعلى ازحف على بطني في ارض عفنة خلف مداخن معامل طابوق المحاويل ، والسبب أنني رفضت رغبة والدي الفقير بالالتحاق بالكلية الفنية العسكرية ،وخيبت أمله في الزواج من بنت الجيران ، وحرمته نشوة الجلوس في مقهى "سوق حمادة" وهو يتحدث عن النجمات اللامعات على كتف ابنه ، نعم حرمته كل ذاك لأنني كنت أتوق لنجمات مكانها ابعد من كتفي ، واحلم بجنية من جنيات الأساطير التي طالما حدثتني جدتي عنهن ، فللحياة طريق واحد ولكن لفهم الحياة متاهة لا منتهية من الطرق .
كانت النسمات التي تهب على ساحة التدريب الصباحي تفوح بنتن لا اعرف مبعثه ، فيما حاولت مرارا إن أقيم صداقة عابرة مع كلاب المعسكر ولكنني فشلت ، وقصص السابقين في الثكنات تسيح مثل القيء على روحي الحزينة الفتية ، فيما بدأت نتف سوداء صغيرة تتجمع لتشكل غولا لم أألفه من قبل ، منحوني شهادة المساحة العسكرية وعلموني كيف احدد إحداثيات الموت والحياة ، وكيف احدد موطئ قدمي على الخارطة ، ولكن كل ما تعلمته لم يقنعني لان الخرائط الحقيقية لروحي كانت قد تمزقت منذ زمن بعيد ، اشهد الآن أن إسطرلابي كان عاطلا عن الإبحار في الاتجاهات المألوفة ، وحقولي لا تنبت إلا شتلات صالحة للاختبار وليس للإثمار ، كانت نذر الحرب تتجمع وراء الأفق ، وعيون العصافير تستدير نحو اله الأشجار متضرعة أن يحفظ أعشاشها ، ولا مهرب إلا الفجيعة او الانحدار نحو الحياة وبهرجتها وأضوائها الزائفة .
انه لأمر مفجع أن يقايضوا عالمك مهما كان وضيعا بعالم أنت لا تراه إلا وضيعا .
تقدمت بأوراقي في أيلول 1979 إلى مركز القبول المركزي وفي قائمة اختياراتي كلية واحدة فقط وهي كلية الادارة والاقتصاد في جامعة بغداد ، فتم قبولي فيها لأسرح من الجيش لغرض الدراسة ، بينما كانت طبول الحرب تدوي في الآفاق ، وليس دفاعا عن احد ولا اصطفافا ضد احد أقول أنني دعيت في تموز عام 1980 إلى مهرجان شعري كان مقررا في قصر الثقافة والفنون المحاذي لوزارة الدفاع العراقية في منطقة الميدان بمناسبة احتفالات 17 تموز ، ولكن عند الساعة السابعة مساء وقبل بدء القراءات حملتنا سيارات كبيرة إلى استعلامات المجلس الوطني قرب وزارة التخطيط وهناك وجدنا صدام حسين في استقبالنا ، وكانت المناسبة هي الذكرى الأولى لاستلامه مقاليد السلطة من احمد حسن البكر ، واذكر أن رمضان كان قد حل في تلك الأيام وبقينا مع صدام حسين حتى السحور ، ومن أهم ما اذكره في تلك الجلسة أن الرئيس قال بعد أن سمع قصائد الشعراء المشحونة بالنار والشرار :إنكم تذكرونا بالحرب وبطولات أجدادنا وأقول لكم إن الحرب آتية قريبا
رأيت في تلك الجلسة كل شعراء العراق السائدين آنذاك سوى اسم اكتسح الجميع فيما بعد ، نعم رايتهم أجمعين عدا رعد بندر الذي نال لقب شاعر أم المعارك قبلهم جميعا ، ولان الموت يموت ولا شاهد عليه ، أود القول أن رعد بندر تملك شقة في شارع حيفا بنصف برتقالة !!!!
لم اعرف رعد إلا في عام 1981 عندما أقامت دار الشؤون الثقافية مسابقة للشعر ، كان مقر الدار في شارع الجمهورية ، وعندما أعلنت النتائج فزت أنا وعدنان الصائغ بالمرتبة الثالثة مناصفة، بعدما فاز اثنان آخران بالمركز الأول والثاني محسوبية ومداهنة ، ذهبت إلى الدار لاستلم الجائزة من مديرها معاذ عبد الرحيم ومقدارها 250 دينارا فالتقيت بشابين قادمين من البصرة عرفت أن احدهم هو رعد بندر الذي قطع كل تلك المسافة ليسأل عن عدم فوزه ، اذكر انه كان متعبا ورث الثياب فأخذته إلى مطعم أقيم على أنقاض مقهى البرلمان في شارع الرشيد وقمت بواجب الضيافة ، وافترقنا حتى عام1986 ، حيث اجتمعنا مرة أخرى في جريدة القادسية جنديين ، وللتاريخ اذكر أن رعد بندر تخرج في الدراسة الإعدادية بمعدل لا يؤهله لدخول الجامعة ، ولان الوقت كان وقت حرب فقد لعب الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد دورا في قبول رعد في كلية فقه النجف ، أي انه لم ير ساترا ولا رصاصا ولا أصدقاء تحولوا إلى نوافير دم فوق سبخات جلات والطيب وقره تو .
جاء إلى بغداد ونزل في فندق الحمدانية في منطقة حافظ القاضي هو وزوجته ، ثم كتب بعد أيام إلى لطيف نصيف جاسم ورقة فيها السطر التالي ( لا املك وطنا في هذا الوطن ) فمنحوه بيتا قرب متحف الحزب في علي الصالح .
من المحاويل إلى العمارة والطيب والفاو والسليمانية وكركوك وقره داغ وطاسلوجة مرورا براوندوز واسكي كلك ومندلي وزرباطية قضيت سنتي 1985 و1986 ، حيث كنت مسؤولا عن خبز عائلتي الصغيرة المكونة من والدين وولدين ولا سند لهما ، بينما قضى رعد تلك الفترة من كلية الفقه إلى جريدة القادسية إلى منطقة علي الصالح مواصلا تحليقه بأجنحة طائر الألمنيوم الذي كتب لرعد قصيدة مربد عام 1987 في غرفة المبرقات في جريدة القادسية مقابل نصف برتقالة. لينال مقابلها شقة في شارع حيفا ، ومن سخرية الأقدار أن تلك الشقة كانت مشيدة على ارض بيتنا الذي كتبت تحت سقفه الخشبي أول حروف قصائدي ، وبحت لحجارة جدرانه الأثرية بأول شهقة غرام ، وخبأت في أغصان شجر حديقته الداخلية أول رسالة وصلتني من المرأة التي لا اعرف غيرها .
أنا كنت أصحح الصفحة الأولى في الجريدة بعد أن ينهي كل من الشاعر كمال سبتي وأديب كمال الدين وزاهر الجيزاني والناقد سعيد الغانمي واجباتهم بتصحيح الصفحات الثقافية ، ليبدأ بعد ذلك الوقت دوام رعد بندر مصححا لصفحات الرياضة والمحليات ، يساعده آخرون من خارج الوسط ، في تلك الأمسية كان رعد يجوب ممرات الجريدة باحثا عني ، كان أمرا غريبا لأنني ذو علاقة هشة به ، وبيننا نفور خفي ، كان كلامه يشبه العسل في تلك الأمسية ، وبخجل الغريب حذفت من نص كان يحمله في جيبه 37 بيتا ووضعت ما يناسب جلسة افتتاح المربد التي ستبدأ في الصباح ، اذكر القصيدة وهي عينية من البحر البسيط ذات قافية مقرونة بهاء مثل نواصعه ، فواجعه ، أنا اكتب وهو يقشر برتقالة عمري ليطعمني منها فيما بعد ضياعا وخوفا تشريدا .
لقد هدم رعد بندر سقف بيتي بعد إن أصبح النائب الثاني لعدي في التجمع الثقافي ، عملا بالرأي الذي يقول هشم الرؤوس التي تختزن تاريخك الأسود ،ولم يكن رعد بندر عضوا في اتحاد الأدباء العراقيين حينذاك لعدم استيفائه شروط الحصول على العضوية ، واهم تلك الشروط أن يكون قد أصدر كتاباَ إبداعياً ، كنا نخرج من جريدة القادسية ليلا لنصطحب معنا رعد إلى نادي الاتحاد ضيفا علينا لأنه لا يستطيع الدخول إلى النادي إلا كضيف على احد الأعضاء ، شاب يحمل ملامح خدم العتبات المقدسة وأحيانا يسلك سلوكهم ،عينان تبحثان عن شي لا يوجد على طاولات النادي .
أنا اعمل بمصهر للألمنيوم صباحا لأسقي رغيف الخبز بالعرق الذي يتصبب مني ، وفي المساء اهييء نفسي للصحافة والأدب ، مصححا في جريدة القادسية ، لا اتصل بأحد إلا الذين يريدون الاتصال بي ، إلى أن جرت انتخابات اتحاد الأدباء التي جرت في قاعة المهندسين الزراعيين عام 1992 كما أظن ، كانت الوجوه متجهمة والحشد هائلا وتلفونات عدي تجلجل في قاعة الاستقبال ، وعباس الجنابي يرد ، سمعت حميد سعيد يقول لالالا أنا مريض ولا أستطيع بينما طلب منه عبد المطلب محمود الترشيح لقيادة الإتحاد ، فيما حاول الآخرون التواري عن الأنظار كي لا يضطروا للتصريح بأي كلمة عندما تطالبهم الهيئة العامة للاتحاد بترشيح أنفسهم وبالتالي سترفع تلك الكلمات التي يتفوهون بها في تقارير إلى عدي ، ولا يعرف إلا الله ما سيحل بهم .
اخبرني زميلي صفاء صنكور إن الأمور ( لايصه ) ولا احد يعرف الطبخة ، فيما صوت عباس الجنابي يخترق الحشود موجها : الأستاذ يريد رعد ، لازم رعد يفوز .
ولأنني من الذين لا ناقة لهم ولا جمل في مثل هذا المكان ، غادرت إلى عملي في خان اليهود في منطقة التوراة لاقف أمام مصهر الألمنيوم الذي كان انصع وأنظف من صالة الانتخاب التي أعدت بترتيب رئاسي واضح ، كانت خرائب الخان تتحول إلى منتدى حقيقي ، عندما يزورني زملائي ، ليث سامي المصمم الرائع والفنان المبدع كان دائم الزيارة لي ، يتناول الغداء معي وسط ركام الدخان الذي يغطي الورشة التي اعمل بها وهو مبتسم ، وبين لقمة وأخرى يناكدني فيقول : تأكد يا حاتم إن هذا المكان يعيدني إلى بذور باريس الإبداعية ، لقد عشت هناك طويلا وفهمت من لقاءاتي بالفنانين الفرنسيين إن الإبداع الحقيقي يحتاج إلى نار ودخان يشبه ما أنت فيه الآن ، راضي مهدي السعيد يتجشم عناء الرحلة من الكاظمية إلى شارع الكفاح ليسمع مني آخر بيت شعر ، إسماعيل حقي يزورني مرتين أسبوعيا بعد أن تضيق بأجنحته مدينة بعقوبة ،
هادي السيد حرز الفنان الذي تركت سلمى بنت القنصل اللبناني شروخا عميقة في قلبه ، عندما يغمره وهج عرق ( البعشيقة ) يطل علي متشمما رائحة الكربون ، لولا الكربون لما كان للضوء معنى ، هكذا كان يجرني نحو تمجيد النار والدخان والأوساخ التي اخلطها في مختبري لتصبح قصيدة يحسدني رعد بندر عليها ويخطط وراء مكتبه لاغتيالها .
في الصباح التالي لعصرية الانتخابات وليس عصرية العيد طلعت علينا صحف اللجنة الاولمبية بخبر فوز رعد بندر وثلة ممن يشبهونه برئاسة اتحاد الأدباء في العراق ، وتحت صور الفائزين شرح يبين سيرتهم ، كانت المعلومات تحت صورة رعد بندر تقول انه عضو في اتحاد الأدباء منذ 1986 وعضو في نقابة الصحفيين منذ عام 1984 وكلا التاريخين غير صالحين للتزوير ، لان رعد كما قلت لم يكن عضوا في الاتحاد لعدم استيفائه شروط العضوية ، ولأنه لم يكتب للصحافة إلا بضع قصائد مشكوك في مرجعيتها !!
كان ذلك بداية عام 1992 ، أنا متسرح من الجيش منذ ثمانية اشهر وأزقة ( رأس القرية ) لم تعد تمنحني الخبز رغم مروري كل صباح على دكاكين السراجين والبزازين والسماسرة حاملا في يدي علب السكائر التي كنت أبيعها ، أتخفى عن عيون المارين في شارع الرشيد خوفا ممن يعرفونني ، بينما كان رعد بندر مشغولا بتأسيس ممالكه من وراء مكتبه في ساحة الأندلس ، هوية الاتحاد في جيبي موقعة من قبل عبد الأمير معلة ، وهويات ذباب الثقافة العراقية بدت موقعة بقلم ( أبي منتظر ) الذي كان ينتظر بفارغ الصبر لحظة سحقي .
بدأت انشر ما تفرزه سوسة الكتابة في جريدة القادسية بعد أن استلم رئاسة تحريرها هاني وهيب ، وكانت فرصة لي للتوظيف بشكل مؤقت في القسم الثقافي سيما وأنا من مؤسسيه ، تمت الموافقة وتخلصت من إطلالة ( أم صباح ) اشهر قوادة في أزقة رأس القرية ، وتخلصت من شبح انحداري إلى وديان رعد بندر التي بدأ يحفرها تمهيدا للانتخابات القادمة ، كان يخطط للبقاء مدى الحياة في الاتحاد ، ولذلك منح طلبة في الدراسة المتوسطة هويات الاتحاد ليؤسس له قاعدة عريضة كقاعدتة تعينه في الانتخابات القادمة .
كان أول اختبار لنواياه عندما وردتني دعوة من اتحاد الكتاب في الأردن ، ولان الإيفاد لا يتم إلا بعد مصادقة رئيس النقابة المعني ذهبت إليه وانتظرت طويلا في مكتبه قبل أن ترد سكرتيرته علي بان الأستاذ مشغول ، وهكذا كنت انتظر اللطمة غير مدرك من أين ستأتيني ، كنت اعمل في القسم الثقافي برفقة المخرج الرائع كريم رشيد والقاصة المبدعة هدية حسين والشاعرة دلال علي ، وكان القسم برئاسة الزميل المثابر صفاء صنكور ، كانت علاقتي مع الجميع ودية وطيبة ، إلا مع دلال فإنها كانت علاقة مبنية على تفهم وحرص متبادل ، لا أستطيع أن اسميها علاقة حب ليس خوفا من احد ولا فضحا لشيء ، ولكن يمكنني تسميتها علاقة احترام لهذه ألامرأة التي شرحت لي باطمئنان ما قاسته من الذين عملت معهم في مجلة وعي العمال قبل إغلاقها ، وما لاقته من مصاعب في حياتها أجبرتها على أن تكون عنيدة مع الذين يظنون إنها أنثى سهلة الركوع أمام الإغراء ، ولكن لله أقول وللحقيقة أقول أنها لم تكن غير امرأة جميلة الأخلاق أولا وجميلة الشكل ثانيا وجميلة المشاعر ثالثا ، ولم يربطني بها إلا الوجع المشترك .
كنت اذهب بعد انقضاء وقت الدوام في جريدة القادسية إلى خان اليهود لأواصل اقتناص الأرغفة من نار مصهر الألمنيوم ، وفي أحدى الاماسي كان إسماعيل حقي يرتجف أمامي خائفا
- كنت عند رعد ظهيرة هذا اليوم في الاتحاد وأرسلني إليك برسالة تقول : يراجعني حاتم يوم غد في مكتبي والا !!!!!!!!!!!
لم احتمل تهديدا مثل هذا فناديت على احد العمال الصغار في الورشة وطلبت منه أن يذهب إلى منطقة قنبر علي ويأتيني بزجاجة خمر شربتها على ثلاث جرعات وطلبت من احد إخوتي الذين يعملون معي أن يرافقني إلى شقة رعد بندر في شارع حيفا وقلت لإسماعيل حقي : لماذا غدا فلنذهب الآن إلى بيت رعد لنفهم ما يريد
وصلنا ملاعب طفولتي وصباي ، ترجل إسماعيل وضغط على الانتركم وكان رعد المجيب ففتح لنا باب العمارة بجهاز التحكم ودلفنا نحن الثلاثة في المصعد متوجهين إلى شقته المواجهة لإحدى شقق عدي الليلية ، عندما دخلنا كان الارتباك ما يزال مرتسما على وجهه ، وبعد ترحيب قصير ومخادع طلبت منه أن يجهز لي كأسا من الخمر المرصوف في قناني على حافة البار الذي في صالة الاستقبال ، جهز لي الكأس وجاءني بصحن مقبلات من ( الفتوش ) وبدأت حديثي بصوت متهدج .
- ما معنى رسالتك يا رعد
- لالا ولكن هل تصحيح القصائد يعني انك كاتبها
- أنا لم أصحح ، أنا كتبت لك ولغيرك و أستطيع أن أحصي عشرات الأسماء التي تأكل من أصابعي ، ولكن ما علاقة رسالتك بالشعر ؟
- لا تفهمني غلط يا حاتم أنا وبصفتي النائب الثاني للأستاذ أريد تزويجك!!
- ولكنني متزوج وقانع ببيتي وزوجتي .
- انه أمر وسنكون كلنا بخدمتك بما نملك من صلاحيات ، أنت قل نعم ونحن نزوجك الآن
كان مساء شتويا قاسي البرودة ، حنيت راسي على ملابس عملي التي لم أبدلها وشممت رائحة الكربون العابقة ودوت كلمات هادي السيد حرز في راسي : لولا الكربون لم يكن للضوء معنى ، ثم رفعت راسي وقلت له لا ... لا
- ولكن ذلك سيجعلك تندم !!
هنا تدخل أخي الذي صاحبني وفجر في وجه أبو الرعود ما كنت أخشى التلفظ به
- اسمع أخي إذا بات حاتم ليلة واحدة خارج المنزل لأي سبب فتأكد أنني سأفجرك بسيارتك واذهب إلى أستاذك وبلغه بما أقول
كادت الجلسة أن تتحول إلى جلسة استجواب وأنا كنت ادري أن شقته مزروعة بأجهزة التنصت ، لان ( السادة ) المسؤولين يسهرون عند رعد كل ليلة تقريبا بدءا من عبد حمود وانتهاء بحامد يوسف حمادي الذي رأيت سائقه الخاص أكثر من مرة ينتظر حتى ساعات الفجر الأولى تحت شقة رعد بندر في ساحة الطلائع .
في الصباح كنت في إحدى كرفانات جريدة القادسية ، دخلت الإمرأة التي اقترحها رعد بندر علي زوجة في المساء وقالت انه اشرف منك وامرني بقتلك أيها الجرثومة ورفعت صحن سكائر زجاجي ورمتني به فأصابت أنفي بجرح عميق لم أزل احمل ندبته إلى الآن رغم مرور 10 أعوام عليه .كانت الدورة الانتخابية التي تنافس فيها رعد بندر والدكتور نجمان ياسين على رئاسة الاتحاد من الحدة بحيث كشف فيها الدور القذر الذي لعبه ابو منتظر في تحويل ممدات الاتحاد وغرفه إلى شبكة عنكبوتية يتم فيها اصطياد المغفلات والراغبات بالصعود السريع ولكن مقابل ثمن باهظ ، ولقد جند رعد العديد من السماسرة الفرعيين لتلبية الطلبات ، وربما يكون خالد مطلك الذي مارس الدور ذاته أيام رئاسة رعد بندر لمنتدى الأدباء الشباب هو الداينمو الكبير الذي أدام زخم تلك العمليات حتى تسلم الدكتور نجمان ياسين ، واذكر من مقال للدكتور نجمان رد فيه على سطور كتبها أبو منتظر لتبرير الاتهامات التي كانت توجه إليه إبان تجديد ترشيحه لرئاسة ثانية للاتحاد ما نصه ( لا أريد أن أتحدث عما كان يجري في الغرف الخلفية من الاتحاد ) ، وأنا هنا لا أقدم كشفا لأمر مستور حيث كان الوسط الثقافي العراقي وما يزال يعرف أن رعد بندر مجرد سمسار رخيص ، ومن أجمل الملخصات التي سمعتها عن سر نجاح رعد في الوصول إلى مركز القرار والإدارة في الدولة ما قاله الشاعر الأصيل ناجي إبراهيم لي يوم نصب رعد مديرا عاما لثقافة الأطفال بعد فشله أمام الدكتور نجمان ياسين ( ليش متعجب ، ولد كود والله وفقه ) ، وليس فضيحة المناطيد الروسية ببعيدة عن الذاكرة حيث استولى رعد على ملايين الدنانير من بطاقات اليانصيب التي أصدرها بإيعاز من اللجنة الاولمبية وشاركه في هذا الحصاد من يقدمون أنفسهم الآن في دول خليجية على أنهم من شرفاء روما .
كان العراق تحت الحصار ، وجعير التضامن مع المثقف العراقي بلغ السماء ، وفد إلى سورية ووفد إلى الأردن ووفد إلى موسكو واستقبال وفد ثقافي تركي والى آخر القائمة ، وكانت الحصيلة غير مرئية أمام الهيئة العامة ، فالذاهبون في هذه الوفود يتم انتقاؤهم بعناية بالغة ، فإما أن يكونوا من المرتبطين مع أجهزة المخابرات والأمن ، وإما أن يكونوا من ذوي القدرة على الانبطاح تحت أحذية موفديهم ، وإما أن يكونوا سماسرة ، بعد أن يتم تطعيم الوفد باسم آو اسمين لدفع التقولات ، وأنا هنا اطرح سؤالا لكل أعضاء الاتحاد السابق والذين يبلغ عددهم الآلاف من منكم سافر مع وفد ثقافي عراقي إلى خارج العراق ؟؟
متأكد تماما أن الإجابة ستردني من عشرات لا يتجاوزون المئة ، ومتأكد تماما أن الذين كانوا يمثلون المثقف العراقي في الأنشطة الثقافية العربية والعالمية لم يكونوا يتمتعون إلا بقابليتهم على الانبطاح تحت حذاء رئيس التجمع الثقافي والذي مثل المتصابي فاروق هلال دور نائبه الأول ومثل رعد بندر دور نائبه الثاني ، ولقد ذكرت في الحلقة السابقة أنني ما زلت بعد عشر سنوات احمل على انفي آثار الجرح الذي ألحقته بي امرأة رشحها لي رعد بندر زوجة ورفضتها ، لأنني كنت اعرف أن طريقة الملك فاروق في السطو على نساء ضباطه الجميلات هي السائدة في ايفادات الجهات الثقافية في العراق آنذاك ، حيث أنهم يرسلون من له زوجة جميلة إلى كل مكان ، ويبدأون بزيارتها في شقتها للسؤال عن احتياجاتها !!!!!!!!!!!
أما مساعدات الاتحادات المماثلة عربيا ودوليا فإنها كانت تذهب إلى جيوب رئيس الاتحاد وامينه العام وباقي ( الحبربش ) من السماسرة الصغار ، الأدوية تخزن في بيت أم احمد في البتاويين حيث يسكن احد قياديي الاتحاد والكتب والقرطاسية تباع في شارع المتنبي ، ولا تستغربوا إذا دخلتم إلى الاتحاد ولم تجدوا فيه مكتبة ، لان الذين يقودونه ليسوا من المعنيين بالكتب وإنما هم تجار سياسة أو جنس .
إنني احتفظ حتى اليوم برسالتين مطبوعتين على الآلة الكاتبة لاتحاد أدباء العراق لا اسم عبيهما ، يهددني فيهما من كتبهما بالويل والثبور وعجائب الأمور إن لم أوافق على شروطه التي تتلخص بموافي على الزواج بمن يرشحونها لي ، وأوصل هاتين الرسالتين احد المتملقين من شيوخ عشائر ما بعد عام 1990 والذي كان يسكن قريبا من سكني في منطقة الدورة في بغداد ، ويتردد على مكتب رعد بندر منفذا صفقة ( التايرات مقابل النشر ) !!
كان هذا الشيخ يريد الظهور بمظهر الشاعر ( الفلتة ) ولان المغفل فرصة المحتال فقد استغله رعد بندر في إيصال الرسائل التي كان يطبعها بيده على الآلة الكاتبة التي في مكتبه بعد مغادرة السكرتيرة خوفا من كشف أمره .
ملايين الدنانير تنهال على جيوب رعد شهريا ، يد تمتد إلى متعهد النادي لابتزازه ويد تمتد خارج الحدود لقبض الإتاوات والتبرعات والرشاوى ، وكل إنجازه بضعة قصائد يكتبها له الآخرون ، أو يجمعها من دواوين شعراء منسيين مثل الشاعر سيد حيدر الحلي ، وربما يكون الشاعر الكربلائي المقعد محمد زمان صاحب اكبر رصيد فيما ينسبه رعد لنفسه ، واذكر أن سعد البزاز عندما كان رئيسا لتحرير جريدة الجمهورية كان ينشر قصائد رعد بشكل شبه يومي وكانت هذه القصائد تعاني من اضطرابات شتى في الوزن والقافية والنحو ، وعندما تجمعنا الصدف معا أنبهه إلى تلك العلل ويكون جوابه أن سعد البزاز كان مستعجلا وانه سحب مسودة القصيدة من بين يديه ولم يستطع تصحيح ما لحق بها من عيوب ، وأنا ادري أن أكثر اثنين تطول زيارتهم إلى مكتب سعد البزاز هم رعد بندر وسعاد عبد الله !!ِ.
لقد كان محمد زمان يبيع قصائده لرعد على طريقة ال( شلع ) القصيدة ب 25 ألف دينار ، ورعد يوسط عبد حمود شريكه في بوتيك المسبح ، ليكرم مقابل كل واحدة ما لا يقل عن 3 ملايين دينار . وهناك من يتهم الشاعر علي الإمارة بتمرير أصابعه الالكترونية على ما يكتبه رعد بندر ، ولا غرابة في ذلك حيث يستطيع من يتصفح ثقافيات الجرائد في تلك الفترة أن يحصي مئات الأسماء الوهمية والموهومة ممن استحوذت على المشهد الشعري تحديدا بعد أن ترعرعت في أحضان التجمع الثقافي الذي يمثل رعد بندر نائب رئيسه ، وسأكتفي بذكر اسم واحد كمثل على كان يحصل تحت مرأى ومسمع أبو الرعود، سأكتفي بذكر اسم ( الشاعر ) حيدر حميد الدهوي الذي استطاع بعد تقديم مهاراته ( السحرية ) وادعاءاته اللاهوتية لرعد بندر وبالتنسيق مع الحارث عبد الحميد المستشار في رئاسة الجمهورية آنذاك أن يقف في مكتب صدام حسين بصفته ( شاعر مبدع ) وأنا ادري<
كتبها حاتم عبد الواحد في 06:08 مساءً ::
شوقتنا لمعرفة مصير رعد بندر
اين صفى به الدهر
و الآن في الامارات ملتحقا بقافلة مثقفي البرتقالة يكتب قصائده للامراء والتجار حين يزوجون احد ابنائهم او يقيمون حفل ختان احدهم ، المهم ان شاعر ام المعارك يكتب الان القصيدة الواحدة بعشرة الاف دولار بالتمام والكمال وكأن ما نهبه من المكتبة الوطنية العراقية امام كان مديرا عاما لحظة الاحتلال لم يكفه ، هنيئا مرئيا ابا منتظر ، فنحن المغفلون الذين تعلقوا بتراب وطنهم مقابل البؤس والتشرد والخوف ، انك لاعب ماهر ابا منتظر طوبى لك .
ماذا دهاك الم تذكر الاوناس الذين تعبوا من اجلك الم تذكر اقربائك الم تذكر اباك الم تذكر اخاك الم تذكر انت انسان بصري ماكل هذا النسيان
انت انسان ميت بنظر اقربائك واصدئك يارعد الناقص
الاسم: حاتم عبد الواحد
